logo logo
  • تاریخ انتشار:‌ 1393/11/09 - 12:00 ق.ظ
  • چاپ
المقاومة تكرّس معادلة الردع

المقاومة تكرّس معادلة الردع

بعد عشرة أیام على هجوم القنیطرة، حسم «حزب الله» سریعاً النقاش حول أین وكیف ومتى سیحصل الردّ، وفرض معادلته الدقیقة، «أكبر من ثأر.. وأقلّ من حرب»، فی عملیة نوعیة مركبة انطوت على تفوق استخباری ولوجستی وعسكری فی حیز جغرافی شدید الحساسیة والتعقید.

ان أهم ما حققته العملیة ـــ الإنجاز، أنها أجهضت محاولة "إسرائیل" تعدیل قواعد الاشتباك من خلال هجوم القنیطرة، وأعادت تثبیت معادلة الردع على قاعدة «أن أی اعتداء یتعرّض له محور المقاومة.. سیلقى الرد المناسب».

منذ اللحظة الاولى لعملیة القنیطرة، كان الاسرائیلی یفضل ان یحصل الرد عبر الجولان، لأن من شأن ذلك أن یمنحه هامشاً واسعاً للرد فی الداخل السوری، لكن المقاومة باغتت التقدیر الإسرائیلی، فاختارت أن توجّه ضربتها فی المكان الذی لم یكن مدرجاً، ربما، فی أولویة الحسابات الاسرائیلیة.
كان واضحاً أن انتقاء «المزارع»، هو الى حد ما «الخیار الآمن»، الذی یوفق بین حتمیة الردّ وبین الرغبة فی عدم التصعید (الحرب)، إذ إن «المزارع» هی منطقة لبنانیة محتلة تقع خارج نطاق القرار 1701، وتملك المقاومة فیها شرعیة العمل العسكری قبل عملیة الأمس وبعدها.
وإذا كانت "إسرائیل" قد اختارت وفق مقاییسها المكان والزمان للاعتداء على موكب «حزب الله» فی القنیطرة، متوقعة أن یأتیها الردّ من البقعة الجغرافیة ذاتها، فإن «حزب الله» ارتأى أن یوجّه ضربته المضادة فی مزارع شبعا، مكرساً بذلك وحدة جبهة الصراع من الجنوب الى الجولان، واضعاً فی حساباته أن الردّ عبر الجولان وما سیلیه من تداعیات، قد یؤدی إلى إحراج حلیفه السوری المنشغل بمواجهة القوى التكفیریة، وربّما الى تدحرج المنطقة كلها نحو مواجهة واسعة، وهو الأمر الذی لا یریده الحزب، وإن كان مستعداً له لو حصل، بدلیل القرار بالردّ، ومن ثم وضعه موضع التنفیذ.
وهذه النقطة وغیرها، سیركّز علیها السید حسن نصرالله فی خطابه المقرّر غداً، وربما یتزامن إحیاء ذكرى شهداء عملیة القنیطرة مع بثّ مقاطع مصورة لعملیة شبعا، كما رجّحت بعض الأوساط الاعلامیة أمس.
ولئن كانت إسرائیل لم تتجرأ حتى الآن على التبنی الرسمی والواضح لغارة القنیطرة، فإن «حزب الله» سارع الى تبنی عملیة «المزارع» عبر بیان حمل الرقم واحد فی رسالة ضمنیة بأن أی ردّ اسرائیلی سیرتب رداً سریعاً من المقاومة.
وتعاملت وسائل الإعلام الإسرائیلیة مع الردّ على أنه تعبیر عن إخفاق استخباری وعملیاتی من الدرجة الأولى، خصوصاً أنه تمّ فی ظل حالة التأهب القصوى المعلنة منذ أیام على طول الحدود الشمالیة من الناقورة الى الجولان، لكن هذا الإخفاق أظهر من ناحیة أخرى المعضلة السیاسیة التی وجدت إسرائیل نفسها فیها إثر دخولها شرك التصعید مع «حزب الله» بعد عملیة القنیطرة: هل تصعّد میدانیاً أم تتجنّب الصدام الواسع؟
ومن الواضح، أن السلوك الاسرائیلی أعطى انطباعاً بأن العدو قرر أن «یبتلع» الضربة، وألا یذهب بعیداً فی ردة فعله، برغم التصریحات مرتفعة النبرة التی أدلى بها بنیامین نتنیاهو، غیر القادر على خوض مغامرة واسعة على تخوم الانتخابات، ومن دون وجود ضوء أخضر أمیركی.
وفی سیاق احتواء الموقف، تواصلت المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة سیغرید كاغ وقیادة «الیونیفیل» مع «حزب الله»، أمس، من زاویة الدعوة الى التهدئة وضبط النفس، وتبلّغ الجیش اللبنانی من القوات الدولیة رسالة، نقلاً عن الجانب الإسرائیلی، مفادها بأن عملیات القصف انتهت وأن بإمكان جنود «الیونیفیل» الخروج من الملاجئ.
وسُجل أیضاً تنسیق بین «حزب الله» وقیادة الجیش، فی ظل ارتیاح للموقف الرسمی اللبنانی الذی عبّر عنه رئیس الحكومة تمام سلام ووزیر الخارجیة جبران باسیل الذی أجرى اتصالات دولیة وإقلیمیة صبّت كلها فی خانة تأكید الحق اللبنانی.
وتلقى «حزب الله» أمس سیلاً من برقیات التهنئة والدعم من أوساط عربیة متعددة، لاسیما فلسطینیة على اختلاف مشاربها، ومن ضمنها قیادتا «فتح» و «حماس».

وقائع العملیة.. كیف حصلت العملیة وما هی مقدّماتها؟
هی عملیة نظیفة ونوعیة بامتیاز، وتنطوی على مزیج من عناصر الابتكار والخبرة والقدرة والمباغتة والشجاعة.
وبرغم أن العدو كان ینتظر الردّ منذ اعتداء القنیطرة، إلا أن «الفضیحة» التی أصیب بشظایاها ولا تقل وطأتها عن صواریخ «كورنیت»، هی أن المقاومة تحكّمت بمسرح العملیة، محتفظة لنفسها بزمام المبادرة منذ إطلاق الصاروخ الأول على القافلة المعادیة وحتى لحظة الانسحاب.
بعد جریمة القنیطرة، حصل نقاش واسع داخل قیادة المقاومة للخیارات المضادّة، بالتشاور مع طهران ودمشق، وتقرّر الردّ عبر مزارع شبعا، بأسرع وقت ممكن، لمنع إسرائیل من استثمار مفاعیل غارة القنیطرة بتغییر قواعد الاشتباك، ومحاولة فرض أمر واقع جدید على خط الجبهة الممتدّ من الجنوب الى الجولان.
كُلّفت المجموعات العسكریة المعنیة فی المقاومة بتفعیل الرصد فی المزارع، لتحدید الهدف الذی سیُضرب وزمان التنفیذ ومكانه، وتم تأجیل إطلالة السید حسن نصرالله الإعلامیة حتى الجمعة، لإفساح المجال أمام المقاومة لتُنجز مهمتها.
كان «السید» قد حسم الأمر: الردّ قبل الخطاب، ولیس العكس، «وهذه دفعة أولى فی الحساب المفتوح بیننا وبین الإسرائیلی».
وضعت قیادة المقاومة الخطة وباشرت مجموعات النخبة بتنفیذها.. أساساً، تخضع كل همسة وحركة فی المزارع المحتلة لمراقبة المقاومة التی بقیت حاضرة ومستیقظة على طول الحدود مع العدو، برغم انشغالاتها فی الساحات الاخرى.
ومع اكتمال صورة المعطیات المیدانیة لدى المقاومة، صدر قرار التنفیذ. بدأ الفصل التمهیدی للعملیة أمس الاول، حین تم إطلاق صاروخین على الجولان المحتلّ، بغیة استقطاب اهتمام العدو وأنظاره الى تلك المنطقة، فی معرض التمویه والإلهاء، وجاءت ردة الفعل الاسرائیلیة على الصورة التی توقعتها المقاومة.
فی هذه الأثناء، كانت مجموعة «شهداء القنیطرة» تمضی لیلتها فی موقع أمامی فی المزارع المحتلة ضمن منطقة جغرافیة معقدة وغیر مكشوفة، تنتظر مرور الهدف، وهی مزوّدة بأسلحة نوعیة قادرة على إیصال الرسالة ببلاغة، بعدما نجحت فی تجاوز أجهزة الرصد والمراقبة لدى العدو، واختراق إجراءاته الاحترازیة المتخذة منذ ایام فی ظل استنفار عسكری واسع النطاق.
قبل ظهر امس، مرّت القافلة العسكریة الاسرائیلیة التی كانت تضم فی عدادها ضابطاً برتبة رائد وضابط صف وعشرة عناصر.
وعندما أصبحت القافلة فی مرمى عناصر الكمین، تم استهدافها فی وضح النهار بستة صواریخ متطورة من نوع «كورنیت» تنتمی الى الجیل الرابع، وهو الأحدث.
وفی غضون لحظات، اصیبت كل الآلیات المعادیة بشكل مباشر، فی وقت واحد تقریباً، بحیث لم یُعط الجنود والضباط الذین كانوا یستقلونها فرصة للرد وخوض مواجهة مع المهاجمین، وهذا ما یفسر أن العملیة كانت عبارة عن ضربة فی اتجاه واحد، ولم تتخذ طابع الاشتباك.
أنجزت مجموعة المقاومین مهمتها بنجاح، وانسحبت بسلاسة وانسیابیة، عائدة إلى مواقعها فی العمق اللبنانی، من دون تسجیل أی إصابة فی صفوفها.
أما الإصابات الاسرائیلیة، فإن مشهد الآلیات المحترقة والمدمرة الى حد ذوبان بعض هیاكلها، یوحی بان عددها أكبر بكثیر من ذاك الذی اعترفت به اسرائیل (قتیلان أحدهما ضابط، وسبعة جرحى).
وعمل سلاح المدفعیة والمجموعة الصاروخیة التابعان للمقاومة على تغطیة انسحاب القوة المهاجمة، من خلال قصف بالهاون طاول مواقع العدو فی السماقة والعلم ورمثا والعباسیة والغجر.
وفی أعقاب ذلك، بدأت المدفعیة الأسرائیلیة المركزة فی مرابض زعورة وعمفیت عیار 155 ملم بقصف واسع طاول بشكل خاص العباسیة حیث مواقع الكتیبة الأسبانیة العاملة ضمن «الیونفیل» ما ادى الى اصابة جندی اسبانی بجراح خطرة توفی إثرها. وتوسّع القصف لیطال اطراف قرى بسطرة، المجیدیة، حلتا، الماری، كفرشوبا، كفرحمام، وشبعا حیث طالت الشظایا عدداً من منازل البلدة، كما اصیب جامع العباسیة بشظایا عدة، وقد احصی سقوط حوالی 150 الى 200 قذیفة اسرائیلیة.

الحَرَج الإسرائیلی

والارجح، ان العملیة النوعیة فی مزارع شبعا ستضع "إسرائیل" امام اسئلة صعبة من نوع:
كیف تمكنت المقاومة من تحقیق هذا الاختراق للمزارع المحتلة فی وضح النهار، برغم أن الرد كان متوقعاً؟
كیف نفّذت المجموعة عملیتها؟
ثم كیف انسحب المهاجمون بهذه الأریحیة من دون أن یواجهوا أی صعوبة؟
ولماذا لم یكن الموكب الاسرائیلی مصفحاً، مع ان منسوب المخاطر كان مرتفعاً؟ ولماذا تأخرت طواقم الإنقاذ بالوصول الى المكان؟
بمعزل عن طبیعة الإجابات الاسرائیلیة، فإن ضربة الامس تؤشر الى إخفاق استخباری - عسكری "لإسرائیل"، والى انجاز للمقاومة من الوزن النوعی الذی سیعید التوازن الى كفتی میزان الصراع، وذلك بعنوان «الأمر لی». فالعملیة تمت من أرض لبنانیة محتلة وضد هدف اسرائیلی على أرض لبنانیة محتلة، برغم كل الالتباسات المحیطة بقضیة مزارع شبعا.
ونقلت القناة الثانیة الاسرائیلیة عن بنیامین نتنیاهو قوله إن «مَن یقف وراء الهجوم الیوم سیدفع الثمن كاملاً». وكتب موقع القناة الثانیة، أنه تم نقل رسائل بین "إسرائیل" و «حزب الله» بواسطة الامم المتحدة، مفادها ان الجولة الحالیة انتهت وأن لا نیة للطرفین فی تصعید الوضع..
وأبلغ سفیر "إسرائیل" فی الامم المتحدة رون بروشاور، مجلس الأمن ان "إسرائیل" تحتفظ لنفسها بحق الدفاع عن نفسها فی اعقاب الهجوم «وسنتخذ جمیع الوسائل التی بحوزتنا ولن نقف جانباً فی الوقت الذی یهاجم فیه تنظیم إرهابی إسرائیلیین» .

المحرر السیاسی لجریدة السفیر اللبنانیة

 

المقالة تعبر عن رأی الكاتب، وهیئة التحریر غیر مسؤولة عن فحواها

 

مطالب مشابه