logo logo
  • تاریخ انتشار:‌ 1395/08/07 - 12:00 ق.ظ
  • چاپ
القباب.. من روائع العمارة الإسلامية(1-2)

القباب.. من روائع العمارة الإسلامیة(1-2)

للقباب فی المساجد دور جمالی رائع لا تكاد العین تخطؤه من الوهلة الأولى، فإذا ضممنا القبة إلى المئذنة -وهما دائماً متلازمتان فی المساجد- تكونت أمامنا صورة جمالیة تضفی على المسجد توازناً فی الشكل یرتاح إلیه النظر، وما ذلك إلا دلیل واضح على تمكن المهندسین المسلمین من رسم لوحة متكاملة للمسجد تشكل إبداعاً معماریاً فتاناً یطغى على الكتلة الحجریة الجامدة.

وإذا  كانت القبة خارج المسجد توحی وكأنها متجهة إلى أسفل فی رمز لتواضع المؤمن بین یدی ربه، فإنها من الداخل تعطی انطباعاً عكسیاً یعبر عن التصاعد والحركة الرأسیة لأعلى، حتى یكون المؤمن وهو یعیش جو العبادة عملیاً داخل المسجد محاطاً بالإیحاء بالارتقاء والسمو والتعالی.

إنَّ القبة فی المسجد أكثر من ظاهرة معماریة استخدمت لأهداف عدة.. إنها رمز لقبة السماء العلیا التی ترنو نحوها الأبصار، وتتحرك باتجاهها القلوب، فی مزیج من الأمل والخوف والحب والإجلال.

تاریخ القبة فی الإسلام

ظهرت القباب فی المبانی عموماً أول الأمر فی آسیا، ثم انتقلت إلى الفرس والیونان فالرومان قبل أن یتلقاها المسلمون، ولا یخلو طراز من طرز الفنون الإنسانیة الكبرى من القباب إلا الطراز المصری القدیم.

وأول قبة عرفت فی الإسلام قبة الصخرة المشرفة التی بناها عبد الملك بن مروان فی بیت المقدس فی فلسطین مابین عام 69هـ 72 هـ (688 ـ 691م). ثم بعد قبة الصخرة بنى الولید بن عبد الملك المسجد الأموی بدمشق، وفیه قبة النسر الشهیرة وذلك عام 132 ـ 133هـ ( 750م). ثم توالت القباب فی المساجد حتى ندر أن نرى مسجداً له مئذنة دون قبة.. بل إن القباب قد زادت على المآذن من حیث استخدامها فی غیر المساجد كالقصور والأضرحة وغیرها.

وصف القبة

نقطة البدایة فی عمل القبة هی ابتكار العقد أو القوس، وأصل ذلك من ابتكار آسیوی، ولكنه تطور على أیدی الفرس والرومان تطوراً واسعاً، ثم جاء المسلمون فساروا بالعقود مدى أبعد وأكثر تنوعا... والملاحظ فی  العقود أن  قوة الدافع الحادثة من ضغط الأحجار بعضها  على بعض، وكذلك من وزن البناء الذی سیحمل على العقد، تتوزع فی العقود على قطع العقد وأرجله بصورة كاملة التوازن تنتهی باتجاه عمودی نحو الأرض.

وهكذا فالقبة تنشأ من عقود متقاطعة فی مركز واحد، هو المفتاح الرئیسی الأعلى للقبة كلها، وقد لجأ المعماریون المسلمون لإقامة القباب إلى العقود فقط لأن سقف المسجد لا یحمل فی العادة إلا القبة فقط.

أنواع القباب

یمكن تقسیم القباب إلى أنواع كثیرة بحسب اعتبارات عدیدة.

أولاً: من حیث مادة الصنع

أ- هناك القباب الخشبیة، وهی التی وجدت فی بدایة الأمر كقبة الصخرة فی القدس (72هـ)، وكذلك كانت قبة الإمام الشافعی (608هـ) الأولى خشبیة، وقبة جامع بیبرس (655 ـ 667هـ) وقبة مدرسة السلطان حسن بالقاهرة (757هـ) وغیرها.

ولاشك أن استخدام الخشب أسهل عند بناء القبة من استخدام الحجر، إلا أنه أضعف منه. ومن الطبیعی أن القباب الخشبیة تكسى عادة من الخارج بطبقة من صفائح الرصاص للحمایة من العوامل الجویة بینما تكسى من الداخل بطبقة من الجص كبیاض داخلی علیه زخارف متنوعة.

ب- وهناك القباب الحجریة، أو المصنوعة من القرمید (الطوب)، وهی كثیرة، ومنها قبة مسجد الغوری بالمنشیة (909هـ) وقبة خانقاه فرج بن برقوق (801هـ)، وقبة أروقة الجامع الأقمر (519هـ)، وقبة مسجد السلطان سلیمان ( 1609م ) باستطنبول، بل إن معظم القباب القدیمة إما حجریة أو قرمیدیة. وبحكم ثقل الحجر فقد كانت قبابه عموماً أصغر من القباب القرمیدیة...

وقد لجأ المعماری المسلم لحل المعضلة الهندسیة -المتمثلة فی الانتقال من المربع إلى المدور- إلى استعمال العقود المتقاطعة لإقامة القباب، ومن هنا كانت الحلول المستعملة لتحویل المبنى المربع الشكل أو المستطیل إلى دائرة عن طریق ما یسمى المثلثات الكرویة (وهی طریقة رومانیة) أوحنیة الأركان (وهی طریقة فارسیة) أو تحویل الحافة المربعة للجدران إلى هیئة مثمنة، ثم إقامة أعمدة تعتمد على الأكتاف الثمانیة وتتلاقى فی نقطة واحدة (وهی طریقة إسلامیة مبتكرة)... وهكذا كان الشأن فی عامة القباب الحجریة أو القرمیدیة القدیمة.

جـ-أما القباب الحدیثة، فهی بوجه عام تقوم على هیكل حدیدی (أسیاخ معدنیة متشابكة) یصب فوقه الأسمنت المخلوط بالجص، فإذا جف بلغ الغایة فی المتانة والتماسك.. وبواسطة هذه القوالب التی یصب فیها الأسمنت لصنع القبة أمكن التحكم فی حجم القبة وشكلها ومتانتها إلى حد بعید.

وثمة قباب حدیثة بدأت تظهر منافسة لقباب الحدید والأسمنت، وهی القباب المصنوعة من مادة الفیبر جلاس والخیوط الزجاجیة، ومیزتها أنها تسمج بنفاذ الضوء إلى باطن القبة دون أن تسمح لحرارة الجو أو برودته بالنفوذ، إضافة إلى خفة الوزن مع متانة الصنع والقدرة على اختیار الشكل المختار بحریة تامة.

ثانیاً: من حیث الشكل العام للقبة

فقد تنوعت إلى قبة ملساء أو مضلعة أو قبة بصلیة أو مخروطجیة الشكل، والقباب البصلیة ترى واضحة فی المساجد الهندیة، والقباب الطویلة العنق ترى فی المساجد السلجوقیة، والقباب المدورة ترى فی عموم المساجد، خاصة الأیوبیة والمملوكیة والفاطمیة.

ثالثاً:  من حیث الثبات والحركة

فإن الأصل فی القباب (كالمآذن) أن تكون ثابتة فوق سطح المسجد، إلا أن التقنیات الحدیثة مكنت المعماریین من ابتكار القباب المتحركة التی تتحرك على سكة، ویتحكم بها بواسطة آلات یحركها مفتاح آلی ( مباشر أو ریمونت كنترول).

ومثل هذه القباب المتحركة عرفت فی المساجد الحدیثة الضخمة، كمسجد الملك الحسن الثانی بالرباط، والمسجد النبوی الشریف فی المدینة المنورة فی التوسعة الأخیرة (وزن القبة 80 طناً).

وبذلك استفید من تحریك القبة فی تجدید هواء المسجد، وفی إنارته، وفی التمتع بالجو الطبیعی المناسب..

بل استخدمت القباب المتحركة على سكة عالیة، وهی مرفوعة على جدران تحتها فوق السطح استخدمت فی تظلیل جزء لا یستهان به من السطح یكون موائما للصلاة فیه، وهذا ما یراه الحاج فی أسطح المسجد النبوی الشریف.

 

 

بقلم: عبد الله نجیب سالم

مطالب مشابه