logo logo
  • تاریخ انتشار:‌ 1394/03/29 - 12:00 ق.ظ
  • چاپ
عاد رمضان... فماذا سيسجل في جبين المسلمين...؟!

عاد رمضان... فماذا سیسجل فی جبین المسلمین...؟!

یحلّ رمضان هذا العام كسابقه، بغیر جدید یسر عرباً ومسلمین كثیرین فی أنحاء شتى من العالم… فمن بلاد الشام إلى بلاد الروهینقا، مروراً بالعراق وأفغانستان وفلسطین ومصر ولیبیا وتونس والیمن… یغص المشهد العربی والإسلامی بألوان الدم والدخان، وبالقتل والحرائق وبیارق الفرق المتناحرة…

المتأمل لما یدور داخل العدید من الدول العربیة من صراعات سیلحظ منذ الوهلة الأولى أن أحد طرفی الصراع فی كل دولة تنظیم أو جماعة دینیة متطرفة وإن اختلفت الأسماء بدءا من تنظیم القاعدة ثم داعشمروراً بجبهة النصرة وأنصار الشریعة وأنصار بیت المقدس وأجناد مصر وأسماء أخرى كثیرة تمارس العنف بهدف إسقاط الأنظمة الحاكمة وإقامة ما تسمیه الدولة الإسلامیة أو الإمارة الإسلامیة ـ هكذا یزعمون ـ إلا أنه فی الواقع ما یفعلونه هو محاولة إسقاط الدولة عن طریق انهیار أركانها ومؤسساتها الأمنیة والعسكریة ثم تفتیتها وتقسیمها إلى دویلات صغیرة لا حول لها ولا قوة!

 

لیس هناك من مصیبة أكبر من أن العنف والدماء وإزهاق الأرواح ـ وأغلبها بریئة ـ فی سوریا والعراق ومصر ولیبیا وتونس والیمن وغیرها، یجری بإسم الدین والتعصب الطائفی. ونتساءل:

كیف صام هؤلاء الداعشیون الذین یتبنون العنف، أیّاً كان، لتحقیق هدف سیاسی؟ وكیف فجروا وقصفوا وحتى ـ یا للبشاعة ـ ذبحوا وهم یهتفون بإسم الله؟

فالخسائر الجسیمة فی الأنفس البریئة وعملیات التهجیر وفقد الأحبة والأوطان والممتلكات وغیاب الأمن والاستقرار والجراح فی الأنفس والأجساد بلغت حداً لا ینبغی السكوت عنه وتجاوزه، هذا فضلا عن مخاطر التقسیم والصراعات الطائفیة والأهلیة والتدخلات الأجنبیة فی هذه الدول بخاصة.

وفی موقف آخر ورأی مغایر وسلوك مناقض وعمل یتعارض مع سابقه یفتی البعض ویحرض ویدعو إلى الفتنة وإلى تكفیر أخوة لهم من المنتمین إلى الدین الإسلامی ممن یتحدثون باسمه ویحملون هویته، ویشاركونهم الإیمان والشهادتین والصلاة والصوم والزكاة وأداء فریضة الحج؟

بل وأكثر من ذلك فهم أبناء وطن واحد، أی یشتركون فی المواطنة والإنسانیة ولهاتین المفردتین من السعة فی حجم المسئولیة والقیم والعمل المشترك ما یؤدی فی حالة تجاهلهما وتجاوزهما وإلغاءهما من القاموس العام إلى ضیاع الوطن وانهیار مؤسساته وافتقاد الأمن والاستقرار وإدخال المجتمع فی نفق من الصراعات الطائفیة والمذهبیة والحزبیة والأیدیولوجیة ما تؤدی إلى ما نراه الیوم فی الصومال وسوریا والعراق ومصر ودول عربیة أخرى تسیر وفق مؤشرات كثیرة إلى ذات المنزلق الخطیر والنفق المظلم.

هل یمكن أن نطلق على هذه الدول أو الإمارات أو المذاهب المتناحرة والمتصارعة فیما بینها والتی تفوح روائح الموت والكراهیة والتعصب والدعوات إلى المزید من القتل والتناحر من سلوك وأفعال وأقوال وتصرفات القادة والساسة والثوار وبعض العلماء ومن یسیر فی ركابهم، وتحول السیارات المفخخة والأسلحة المتطورة فیها البشر إلى أشلاء والمساجد والمنازل والمنشآت القائمة إلى أكوام من التراب فتدمر وتهدم وتسفك من الدماء ما لم یقم به الأعداء الذین نحملهم جمیع مصائبنا وإحباطاتنا وتخلفنا وضعفنا، هل یمكن أن نطلق علیها بالأمة العربیة أو الوطن العربی؟

ومن هو الممثل الحقیقی والمتحدث الرسمی بإسم هذه الأمة لو سلمنا بأن الإسم قائم وصحیح ویمثل رمزاً لا یمكن التنازل عنه والتسلیم بزواله وانتهاءه؟

للأسف نعم، هناك من یظن أنه بارتكاب أعمال العنف فی البلاد المشتعلة حالیّاً، وغیرها من بلاد المسلمین وغیر المسلمین، إنما یقترب من باب الله مجاهداً ونصیراً. هؤلاء الدواعش فی الأغلب حفظة لا یفقهون ما یحفظون من دجل سیاسی تسربل بالدین على مر السنین. تعود تلك السنین إلى بدایة دولة الإسلام قبل عشرات القرون. لكن یصعب مناقشة هؤلاء، والذنب الأكبر على من لقنوهم ونشروا بینهم تلك الأفكار الدمویة مستغلین الجهل والفقر وحمیة الشباب الذی لا یعرف سبیلا إلى باب الله فیؤمه إرهابی فاسق فی الأغلب إلى باب الشیطان.

لقد اختلط الدینی بالدنیوی، وغلبت السیاسة وعلاقات القوى على الأخلاق واستغلال الشعائر وتفسیرات الآیات والأحادیث لخدمة أغراض سیاسیة ـ دنیئة أحیاناً أو جیدة أحیاناً أخرى، حسب زاویة نظرك وتأثیرها علیك (التأثیر الدنیوی طبعاً). ونتساءل بكل هدوء:

من الكافر هنا ومن المسلم؟ من الذی ما زال على سنة محمد صلى الله علیه وسلم ومن الذی انحرف عنها؟ من بیده القول الفصل ومن هو المخول فی إصدار الحكم والقادر على جمع هذه الآراء والمذاهب والأفكار والأشخاص فی صعید واحد وعلى كلمة سواء؟

ولو سلمنا بأن الحق والاستقامة والتمسك برسالة الإسلام كما نزلت على رسول الإسلام تأكدت واجتمعت فی مذهب من المذاهب فأی قوة أو معجزة ستتمكن یا ترى من إقناع المذاهب الأخرى بالتحول عنها إلیه بعد أكثر من ألف وثلاثمائة من انتسابها واستمرارها وبقائها على المذهب التی هی علیه؟

وما هو الحل لهذه المعضلة التی تواصلت واستمرت عبر قرون من الزمن؟ هل هناك من علاج أجدى وأنفع وأفضل وأصلح من التعایش السلمی والقبول بالآخر والإقرار والاقتناع بأن الخلاف فی الرأی وفی الممارسة وفی مجالات التفكیر مسألة طبیعیة وصحیة بین البشر ظلت وستستمر ما بقی الإنسان وعلینا أن نؤسس لثقافة إنسانیة حضاریة تستوعب مختلف الآراء وتجرم وتحرم استخدام القوة والشحن وبث الفتن لتطویع رأی أو مذهب على الآخر؟

هل المطلوب والمبتغى أن یلغی الواحد منا الآخر وأن یفنیه عن بكرة أبیه لیظل هو مستفرداً بالوطن والسلطة واتخاذ القرار؟ وهل یمكن أن یتحقق ذلك ونحن فی صراع متواصل وحروب مدمرة تهدأ وتشتد منذ أكثر من ألف سنة؟

تبدو صورة الوضع فی العالم العربی قاتمة ولا تلوح فی الأفق بوادر انفراج للازمات التی تعیشها الشعوب العربیة. فالاتحادات والمشاریع والمرئیات والتوصیات المطروحة والمقترحة والمعتمدة على الورق تأتی فی إطار التعاون المشترك وتحقیق الغایات والأهداف، أصبحت فی مهب الریح لا أحد یتذكرها أو یعیرها اهتماماً، فالكوارث والصراعات والانزلاقات التی تحل بالبلدان العربیة الواحدة تلو الأخرى عزلتها عن محیطها العربی بل وأشغلتها حتى عن مجتمعها الداخلی الذی یعانی ویلات الحروب والفقر والملاحقة والتمزق النفسی والاجتماعی

ولن نتوسع فی استعراض مآسی الجهل والتخلف والضیاع الثقافی والاختراق الأمنی والانهیار الأخلاقی لأنها أصبحت من المسلمات وحالة مستعصیة لا یمكن الفكاك منها فی عالمنا العربی حیث وصل الحال بالمواطن العربی أن یعیش فی حال من الرعب والخوف الدائم من القتل والسعی إلى تأمین نفسه وتوظیف وقته وجهده وإمكاناته ما استطاع إلى ذلك سبیلا لحمایة أسرته ونفسه من الموت، وانشغلت كل بلد أو مدینة أو فئة بهمومها ومشاكلها وقضایاها ومصالحها.

إذن فالأمر لا یتطلب جهداً سوى قراءة التاریخ بعین لا تغشى علیها ظلمة العقل الذی یحفظ ولا یفهملتكتشف أنه حتى ما قبل صراع الأمویین والعباسیین وما بعدهم كان المصحف یرفع على السیف على طریقة ما یفعله الإخوان الآن (الإسلام هو الحل). ویزخر تاریخنا بشیوخ ومفتین وعلماءیوصفون من قبل مناوئیهم السیاسیین بأنهم علماء السلاطینـ أی من یلوون روح الدین لأغراض الدنیا. وفی الجانب الآخر هناك من هؤلاء وأولئك بذات القدر والتوجه.

فمَن مِن العلماء أو المؤسسات الدینیة أو القادة أو الساسة یمكننا أن نأتمنه وأن نسلمه قیادة الأمة والمتحدث بإسمها وأن نرى فیه ما یمثل سماحة الإسلام وعظمته ومصالح المنتمین إلیه فی ظل هذه الفوضى الهائلة والكم الكبیر من الفتاوى التی تطرح والمبادرات التی تطلق والشعارات التی ترفع والتی تهدم أكثر مما تصلح وتثیر الفتن وتشحن العقول بدلا من أن تصلح النفوس وتدعو إلى المحبة والتآلف والتآزر بین أبناء الأمة وتعیق أی حراك أو جهد یسعى إلى إخراج الأمة من هذا المأزق الذی تعیشه والذی یدعی فیه الواحد ما ینقضه الآخر فی طرفة عین؟

فلا نرى إلا سیوف تقطع الرقاب وتئد الحیاة وتحول بیاض المستقبل إلى سواد حالك، من یملك حق الإجابة على هذه الأسئلة الواسعة والمتشعبة والشائكة التی تخص حیاة ومستقبل وواقع الأمة، هل هم العلماء أم المؤسسات الدینیة أو الساسة والقادة؟

من یلتفت الیوم إلى حال الأمة ومن یشغله واقعها المؤلم ومن یسعى ویعمل على لم شملها والدفاع عن حقوقها؟ هل یفید البكاء والعویل والصراخ والقول والكتابة شیئاً، هل تجد أذناً صاغیة قادرة أو ترغب فی الفعل الإیجابی والعمل على تحقیق الأهداف والغایات الكبرى التی ظلت على مدى أكثر من نصف قرن شعارات نرددها فی وسائل الإعلام وفی اجتماعاتنا ومؤتمراتنا المتواصلة؟

وهذا یعنی أننا فی حاجة إلى سیاسة جدیدة بعد رمضان لمواجهة التحدیات التی تفرض نفسها على المجتمع لتحصین الجماهیر. فینبغی أن تضعنا الصورة القاتمة للمشهد العربی والإسلامی، أمام مسؤولیتنا كعرب ومسلمین، كقادة وساسة وبرلمانیین، علماء ومثقفین وإعلامیین وفاعلین، أن نعمل لیلا ونهاراً وأن نسعى ونتحرك بكل إمكاناتنا وقدراتنا وقوانا لرأب الصدع وإصلاح ذات البین وتفعیل الحوار وتبیان ما یجمع ویوحد ویقرب، علینا أن نشكل لجاناً وأدوات تواصل وأن نوظف كل الوسائل والآلیات لتحقیق الغایات والأهداف الكبرى

أن نستنهض الهمم للمساهمة والمساعدة فی إغاثة إخواننا ومساعدتهم والوقوف بجنبهم، علینا أن نقوم بكل عمل وفعل وقول فیه خیر وصلاح ورفعة وعلاج لمشاكل ومآسی وأحزان هذه الأمة، علینا أن نسیر وننطلق ونتوجه فی هكذا طریق بدلا من الشحن الطائفی والمذهبی والفتاوى التی تبیح القتل وتدعو إلى الكراهیة والتعصب وتعمق الفتنة والانقسام والانشطار وتنشر الجهل والتخلف والتی تمثل سلاحاً مدمراً یلتهم كل عمل صالح وجهد طیب ومبادرات مخلصة وأمل تحمله قلوب تدعو وتسعى لتحقیق المصالح العلیا لهذه الأمة. فتحقیق النهوض والتطور والإصلاح، والاهتمام بالإنسان وتحقیق الرخاء والازدهار هو الذی یعطی للأوطان تمیزها واستقرارها ویهیئ لمستقبل أفضل.

فی نهایة عمله الخلاق یقودنا البروفیسور المصری د. حسن حنفی إلى أن الوحدة العضویة بین الدین والعلم والثقافة هو شرط التقدم الاجتماعی والنهضة الشاملة، حتى لا تزدوج الشخصیة القومیة بین نموذجین العلم والدین، وننسى الثالث وهو الثقافة، ولا تكثر برامج العلم والإیمان، وتقل البرامج الثقافیة، لذلك قال دیكارت أنا أفكر إذن أنا موجود، ولذلك أیضاً قال القدماء العقل أساس النقل وموافقة صحیح المنقول لصریح المعقول، وأن الحكمة هی ما یقتضیه النظر بحسب طبیعة البرهان”…

فهل من مكان لهذه المنظومات الفكریة الذهبیة فی زمن الثورات الهوجاء التی لا یدرى إلا الله وحده من وراءها وما هو جل مبتغاها؟

وكل رمضان وأنتم بألف خیر.

بقلم: مصطفى قطبی

مطالب مشابه