logo logo
  • تاریخ انتشار:‌ 1394/03/22 - 12:00 ق.ظ
  • چاپ
القدس عروس خيانتكم

القدس عروس خیانتكم

السؤال لیس بریئاً بالمرّة: ماذا ستفعل الأمّة الإسلامیّة فی حال أقدم الصهاینة مرّة أخرى على إحراق الأقصى فی القدس؟ للتذكیر: فی الـ21 من شهر آب (أغسطس) 1969 عندما قام یهودیّ مُتطرّف بإحراق ﺍﻟﻤﺴﺠد الأقصى، ﻗﺎﻟت ﻏﻮﻟدا مائیر، رئیس وزراء حكومة العدو: لم ﺃﻧﻢ ﻟﻴﻠﺘﻬﺎ ﻭﺃنا ﺃتخیل ﺍﻟﻌﺮﺏ سیدخلون "إسرائیل" أفواجاً ﻣﻦ كلّ صوﺏٍ، ﻟﻜﻨّﻲ عندما طلع ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ ولم یحدث أیّ شیء ﺃﺩﺭﻛﺖ ﺃنّه باستطاعتنا ﻓﻌﻞ ما نشاء، فهذه أمّة نائمة.

 فی المُقابل، أطلق الثعلب السرمدیّ، أی رئیس الدولة العبریّة الأسبق، شمعون بیریز، تصریحاً خبیثاً قال فیه إنّ الطریقة المثلى لحل الصراع الإسرائیلیّ ـ الفلسطینیّ هو اللجوء إلى الریاضة على مختلف أشكالها وأجناسها، لأنّ الریاضة، وفق منطق الرئیس الإسرائیلیّ، (الذی یتفاخر ویتباهى بمناسبة أوْ بدونها بأنّه أقام الفرن الذری فی دیمونا) هی الأسلوب الأنجع لتقریب القلوب بین أبناء "الشعبین"!

هكذا هو بیریز، ثعلب مُتخفٍ بلباس حملٍ، ولا نعرف حتى الساعة ماذا قال هذا الصهیونیّ الحاقد، مُنفّذ مجزرتی قانا فی لبنان، لأصدقائه العرب فی اللقاء الذی عُقد مؤخراً فی العاصمة الأردنیّة، عمّان. ولكی نضع الأمور فی نصابها الصحیح، نقول ونجزم إنّ القدس هی قضیّة وطنیّة وقومیّة بامتیاز، ولا تقتصر على الأقصى أوْ القیامة، إنّها عربیّة مئة فی المئة، ونعتقد أنّ هذا هو المكان والزمان للردّ على نائب رئیس الحركة الإسلامیّة فی الداخل الفلسطینیّ، الشیخ كمال خطیب، الذی أكّد فی تصریحٍ علنیّ أنّ القدس ستكون عاصمة دولة الخلافة الإسلامیّة الراشدة، بحسب تعبیره. لا یا شیخ، نُرید فلسطین، كلّ فلسطین، دولة عربیّة، دیمقراطیّة وعلمانیّة.

علاوة على ذلك، من الأهمیّة بمكان، التأكید والتشدید على أنّ مشروع الصهیونیّة لتهوید القدس وفصلها عن مُحیطها الفلسطینیّ - العربیّ، یسیر بوتیرةٍ عالیةٍ فی ظلّ صمتٍ عربیّ وإسلامیّ مُریب، مُخزٍ، مهینٍ ومذل. نقولها بألمٍ ومرارةٍ شدیدین بأنّ العرب مُنشغلون فی تطبیق نظریة النازیّ هتلر الذی قال إننّی أتكل على العرب فی أنْ یقتلوا بعضهم بعضاً. ولكی لا ندخل فی متاهة التطبیع أوْ التضبیع (من ضبع) مع الكیان الاستعماریّ، المُسّمى "إسرائیل"، نربأ عن الدخول فی النقاش الدائر الیوم فیما إذا كانت زیارة القدس المُحتلّة تدخل فی إطار التطبیع مع دولة الاحتلال.

من السذاجة أنْ نعتقد بأنّ هناك أزمة بین واشنطن وتل أبیب حول البناء فی القدس المحتلّة
مع ذلك، أوْ على الرغم من ذلك، نقول وبصوتٍ عالٍ: أصحاب رؤوس أموال من الوطن العربیّ یقومون بشراء أندیة كرة القدم فی أوروبا بمئات ملایین الدولارات، ویصرفون الأموال الضخمة من أجل ذلك، لا ضرر فی هذه الخطوة، ولكن یحق لنا أن نسأل هؤلاء الأثریاء العرب وغیرهم: لماذا لا یُقدّمون شیئاً للشعب الفلسطینیّ، الذی یئن تحت نیر الاحتلال؟ لماذا لا نسمع عن الأثریاء العرب الذین یعملون على منع صهاینة الدولة العبریّة وخارجها من تهوید مدینة القدس المحتلّة؟

نسأل هذا السؤال فی ظلّ التصریحات الإسرائیلیّة الرسمیّة العلنیّة بأنّ القدس المُوحدّة هی العاصمة الأبدیّة للشعب الیهودیّ، نُورد هذه الأمور ونحن نُتابع عن كثب، كیف تقوم الجمعیات الصهیونیة الاستیطانیة بشراء البیوت والذمم فی قدس أقداسنا بدعمٍ سخیٍّ من الثریّ الیهودیّ، أیرفین موسكوفیتش، الذی لا یألو جهداً فی تخصیص المبالغ الخیالیّة من أجل تحقیق الهدف، هم یفعلون، ونحن نقف موقف المتفرج، وكأنّ الأمر لا یعنینا، هل سمعتم عن ثریٍّ عربیٍّ قام بمبادرات اقتصادیّة أوْ إنسانیّة فی القدس المحتلّة؟

نحن لا نتحدث عن الأنظمة العربیّة الرسمیّة، التی تغطُ فی غرفة العنایة المُكثفّة، ولا نتحدّث عن الأنظمة الإسلامیّة، التی تنتظر الإعلان رسمیاً عن وفاة النظام الرسمیّ العربیّ لتحّل مكانه، إنمّا نتحدّث عن مبادرات خاصة لأثریاءٍ عربٍ یملكون المال لمساعدة أهالی القدس، لأنّ مَنْ یُعوّل على الأنظمة الرسمیّة، لا یُعوّل علیه، ففی عام 1995، وصل رئیس الوزراء الإسرائیلیّ آنذاك یتسحاق رابین، إلى المؤتمر الاقتصادیّ فی عمان الذی شارك فیه العرب والمُسلمون، واعتلى المنصّة وقال لهم: جئتكم من القدس، العاصمة الأبدیّة المُوحدّة لدولة إسرائیل، وغنیٌ عن القول إنّ أحداً من الزعماء لم ینبسّ ببنت شفة.

ما هو السبب الذی یدفع هؤلاء الأثریاء العرب للإحجام عن استثمار الأموال فی القدس؟

لا نُرید منهم أنْ یفهموا بأنّ الشعب الفلسطینیّ هو شعب المتسّولین. لا، علیهم أنْ یفهموا أنّ السلطات الإسرائیلیّة الرسمیّة والجمعیات الخاصّة تعمل على تهجیر أهالی القدس وتُمارس سیاسة التطهیر العرقی فی المدینة المقدسة، والوضع یتحول یوماً بعد یومٍ من سیء إلى الأسوأ وهم یتفرجون ویُواصلون الاستثمار فی ملاعب الكرة الأوروبیّة.

التطهیر العرقیّ الذی تُطبّقه الدولة العبریّة عن طریق بلدیة الاحتلال، یشمل فی ما یشمل هدم المبانی العربیّة، فرض الضرائب الباهظة على المقدسیین المُرابطین على أرض الآباء والأجداد، وأسالیب أخرى من إبداع الفكر الصهیونیّ الضاغن والناقم. السكّان العرب فی القدس بحاجةٍ إلى دعمٍ مالیٍّ ومعنویٍّ على حدٍ سواء، لا عن طریق البیانات التی لا تُساوی الحبر المكتوبة فیه، إنّما بحاجة إلى آلیات عملیة لوقف مسلسل التهجیر والتطهیر العرقیّ فی القدس.

نحن بحاجةٍ إلى مشاریع اقتصادیّةٍ بأموالٍ عربیّةٍ لصدّ العدوان الإسرائیلیّ، لأنّ المادّة فی زمن العولمة باتت القضیة الرئیسیّة لمجابهة الأطماع غیر المحدودة للصهیونیة ولزبانیتها. كما أنّه من الأهمیة بمكان الإشارة، إلى أنّ الادعاءات العربیة الممجوجة بأنّ للقدس شعباً یحمیها هی ادعاءات أكل الدهر علیها وشرب، وحتى لا نصل إلى نقطة اللا عودة، یجب تجنید رؤوس الأموال العربیّة لدرء هذا الخطر المُحدّق بالأمّة العربیّة بشكلٍ عامٍ، وبالشعب الفلسطینیّ بشكلٍ خاصٍ، وبما أنّ سلطة "أوسلو - ستان"، التی تعتبر التنسیق الأمنیّ مع الاحتلال مُقدّساً، غیر قادرة أو بالأحرى لا تُرید لوحدها الدفاع عن القدس وعن المقدسات الإسلامیّة والمسیحیّة فی القدس، فإنّ الأمر بات أكثر إلحاحاً من ذی قبل.

ولكی نكون على بینّة من الأمور یجب التشدید على أنّ الأعذار مرفوضة جملةً وتفصیلاً، فالقدس العربیّة هی منطقة محتلّة، وبالتالی یسمح القانون الدولیّ للأثریاء العرب باستثمار الأموال فیها وإنقاذها من براثن الصهیونیّة، التی كشّرت عن أنیابها وما زالت تصول وتجول فی القدس المحتلة من دون حسیبٍ أوْ رقیبٍ.

وعندما قال بنیامین نتنیاهو، رئیس وزراء دولة الاحتلال، إنّ جمیع رؤساء الحكومات فی "إسرائیل" منذ عدوان الخامس من حزیران عام 1967، قاموا بالبناء فی القدس العربیّة، فللأسف الشدید نجد أنفسنا مكرهین على القول الفصل إنّ أقواله صحیحة مئة فی المئة، أیْ أننّا نحن العرب من المحیط إلى الخلیج، نُواكب ونُتابع عملیة سلب القدس من أیدینا من دون أنْ نُحرّك ساكناً؟

هل تقبلون یا عرب وهل توافقون یا مسلمون على أنْ تكون رأس حربة الإمبریالیة العالمیة، الولایات المتحدة الأمیركیة ورئیسها، باراك أوباما، فی خط الدفاع الأول عن القدس، وتحاول أنْ تمنع الإسرائیلیین من مواصلة انتهاك حرمات مساجدنا وكنائسنا؟ ألا تعتقدون أنّ هذا الأمر هو من رابع المُستحیلات؟ برّبّكم وبدینكم: هل تنقصنا الخامات أو الطاقات أو الثروات لكی نمنح الآخرین فرصة مواصلة السیطرة على القرار العربیّ الرسمیّ والشعبیّ؟

إنّه فعلاً من المشاهد السوریالیة أو العبثیة، أو الاثنین معاً، أنْ تقف الشعوب العربیّة، كالأنظمة التی تحكمها بالحدید والنار، موقف المحاید فی أهم قضیة من قضایانا. ومن السذاجة بمكان أنْ نعتقد بأنّ هناك أزمة حقیقیة بین واشنطن وتل أبیب حول البناء فی القدس المحتلّة. إنّ ما یجری الیوم هو خلاف بین صدیقین حمیمین، سرعان ما سیجد طریقه إلى الحل، إنّه خلاف على سلّم الأولویات ولیس على الجوهر، وبالتالی حان الوقت لأنْ تتضافر الجهود، جهود الأثریاء العرب من أجل المساهمة فی الدفاع عن القدس وعن الأقصى وعن القیامة، لأنّه إذا فقدنا القدس لن نتمكّن من إعادتها، أمّا إذا أردنا شراء فریق كرة قدم هنا أو هناك، فإنّ الأمر سیبقى قائماً أبداً، والمفارقة أننّا نضطر لتوظیف مسألة الاستثمار فی القدس، ونُقارنها بكرة القدم، فهل هذه علامات الآخرة؟

والشیء بالشیء یُذكر: المُبادرة العربیّة، وهی سعودیة الأصل، تنازلت عن حقّ عودة اللاجئین الفلسطینیین، الذی شُردّوا من دیارهم فی النكبة المنكودة. أصحیحٌ أنّ فلسطین لیست نكبة العرب، بلْ العرب هم نكبة فلسطین؟ یا أیُّها الناطقون بالضاد: صرفتم وما زلتم تصرفون مئات الملیارات من أجل تدمیر آخر معقل للقومیّة العربیّة، سوریّة، مع علمكم التّام بأنّ القضاء على هذا البلد العربیّ هو ضمان استمراریة الكیان الصهیونیّ وعربدته فی المنطقة، فهل تحالفكم المُعلن وغیر المُعلن معه، یضُم القدس أیضاً؟ هل تعملون على إخراج نظریة بن غوریون إلى حیّز التنفیذ، وهو الذی أرسى مقولته «المأثورة» إنّ قوّة "إسرائیل" لا تكمن فی ترسانتها النوویّة، بل فی تدمیر الجیوش المصریّة، العراقیّة والسوریّة؟
 

زهیر أندراوس/ الاخبار

المقالة تعبر عن رأی الكاتب، وهیئة التحریر غیر مسؤولة عن فحواها

مطالب مشابه