ستاد مرکزی اربعین|کمیته فرهنگی، آموزشی

banner-img banner-img-en
logo

 ادبیات و پژوهش


أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام )

چاپ
إنّ الاِمام علي بن أبي طالب أشهر من أن يعرَّف، ولقد قام لفيف من السنّة والشيعة بتأليف كتب وموسوعات عن حياته، ومناقبه، وفضائله، وجهاده، وعلومه، وخطبه، وقصار كلماته، وسياسته، وحروبه مع الناكثين والقاسطين والمارقين، فالاَولى لنا الاكتفاء بالميسور في هذا المجال، وإحالة القارىَ إلى تلك الموسوعات، بيد أنّنا نكتفي هنا بذكر أوصافه الواردة في السنّة

فنقول:

هو أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين، وخاتم الوصيّين، وأوّل القوم إيماناً، وأوفاهم بعهد الله، وأعظمهم مزيّة، وأقومهم بأمر الله، وأعلمهم بالقضية، وراية الهدى، ومنار الاِيمان، وباب الحكمة، والممسوس في ذات الله، خليفة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _، الهاشمي، وليد الكعبة المشرّفة، ومُطهّرها من كل صنم ووثن، الشهيد في البيت الاِلـهي (مسجد الكوفة) في محرابه حال الصلاة سنة 40هـ.

وكلّ جملة من هذه الجمل، وعبارة من هذه العبارات، كلمة قدسيّة نبويّة أخرجها الحفّاظ من أهل السنّة(1).

 

مكوّنات الشخصيّة الاِنسانية

 

 

تعود شخصية كلّ إنسان ـ حسب مايرى علماء النفس ـ إلى ثلاثة عوامل هامّة لكلّ منها نصيب وافر في تكوين الشخصية وأثر عميق في بناء كيانها.

وكأنّ الشخصية الاِنسانية لدى كل إنسان أشبه بمثلث يتألّف من اتّصال هذه الاَضلاع الثلاثة بعضها ببعض، وهذه العوامل الثلاثة هي:

1 ـ الوراثة.

2 ـ التعليم والثقافة.

3 ـ البيئة والمحيط.

إنّ كلّ ما يتّصف به المرء من صفات حسنة أو قبيحة، عالية أو وضيعة تنتقل إلى الاِنسان عبر هذه القنوات الثلاث، وتنمو فيه من خلال هذه الطرق.

وإنّ الاَبناء لا يرثون منّا المال والثروة والاَوصاف الظاهرية فقط كملامح الوجه ولون العيون وكيفيات الجسم، بل يرثون كلّ ما يتمتّع به الآباء من خصائص روحية وصفات أخلاقية عن طريق الوراثة كذلك.

فالاَبوان ـ بانفصال جزئي «الحويمن» و «البويضة» المكوّنين للطفل منهما ـ إنّما ينقلان ـ في الحقيقـة ـ صفاتهما ملخّصة إلى الخلية الاَُولى المكوّنة من ذينك الجزأين، تلك الخلية الجنينية التي تنمو مع ما تحمل من الصفات والخصوصيات الموروثة.

ويشكّل تأثير الثقافة والمحيط، الضلعين الآخرين في مثلث الشخصية الاِنسانية، فإنّ لهذين الاَمرين أثراً مهمّاً وعميقاً في تنمية السجايا الرفيعة المودعة في باطن كل إنسان بصورة فطرية جبليّة أو الموجودة في كيانه بسبب الوراثة من الاَبوين.

فإنّ في مقدور كل معلّم أن يرسم مصير الطفل ومستقبله من خلال ما يلقي إليه من تعليمات وتوصيات وما يعطيه من سيرة وسلوك ومن آراء وأفكار، فكم من بيئة حوّلت أفراداً صالحين إلى فاسدين، أو فاسدين إلى صالحين.

وإنّ تأثير هذين العاملين المهمّين من الوضوح بحيث لايحتاج إلى المزيد من البيان والتوضيح. على أننّا يجب أن لاننسى دور إرادة الاِنسان نفسه وراء هذه العوامل الثلاثة.

 

مكوّنات شخصيّة الاِمام علي _ عليه السلام _

 

لم يكن الاِمام علي _ عليه السلام _ بصفته بشراً بمستثنى من هذه القاعدة؛ فقد ورث الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _ جانباً كبيراً من شخصيته النفسية والروحية والاَخلاقية من هذه العوامل والطرق الثلاثة، وإليك تفصيل ذلك:

1 ـ الاِمام علي _ عليه السلام _ والوراثة من الاَبوين:

لقد انحدر الاِمام علي من صلب والد عظيم الشأن، رفيع الشخصيّة هو أبوطالب، ولقد كان أبو طالب زعيم مكّة، وسيّد البطحاء، ورئيس بني هاشم، وهو إلى جانب ذلك،كان معروفاً بالسماحة والبذل والجود والعطاء والعطف والمحبّة والفداء والتضحية في سبيل الهدف المقدّس، والعقيدة التوحيديّة المباركة.

فهو الذي تكفّل رسول الله منذ توفّي جدّه وكفيله الاَوّل عبدالمطلب وهو آنذاك في الثامنة من عمره، وتولّى العناية به والقيام بشؤونه، وحفظه وحراسته في السفر والحضر، بإخلاص كبير واندفاع وحرص لانظير لهما، بل وبقي يدافع عن رسالة التوحيد، والدين الحق الذي جاء به النبي الكريم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويقوم في سبيل إرساء قواعده ونشر تعاليمه بكل تضحية وفداء، و يتحمّل لتحقيق هذه الاَهداف العليا كلّ تعب ونصب وعناء.

وقد انعكست هذه الحقيقة وتجلّى موقفه هذا في كثير من أشعاره وأبياته المجموعة في ديوانه بصورة كاملة مثل قوله:

ليعلم خيار الناس أنّ محمّداً * نبيّ كموسى والمسيح ابن مريم

وقوله:

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً * رسولاً كموسى خُطّ في أوّل الكتب(2)

إنّ من المستحيل أن تصدر أمثال هذه التضحيات التي كان أبرزها محاصرة بني هاشم جميعاً في الشعب، ومقاطعتهم القاسية، من دافع غير الاِيمان العميق بالهدف والشغف الكبير بالمعنوية، الذي كان يتّصف به أبوطالب؛ إذ لا تستطيع مجرّد الوشائج العشائرية، وروابط القربى، أن توجِد في الاِنسان مثل هذه الروح التضحويّة.

إنّ الدلائل على إيمان أبي طالب بدين ابن أخيه تبلغ من الوفرة والكثرة بحيث استقطبت اهتمام كلّ المحقّقين المنصفين والمحايدين، ولكن بعض المتعصّبين توقّف في إيمان تلك الشخصية المتفانية العظيمة، بالدعوة المحمدية، بينما تجاوز فريق هذا الحدّ إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث قالوا بأنّه مات غير مؤمن.

ولو صحّت عُشر هذه الدلائل الدالّة على إيمان أبي طالب الثابتة في كتب التاريخ والحديث في حقّ رجل آخر لما شكّ أحد في إيمانه فضلاً عن إسلامه، ولكن لايعلم الاِنسان لماذا لاتسطيع كل هذه الاَدلّة إقناع هذه الزمرة،و إنارة الحقيقة لهم؟!

هذا عن والد الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _.

وأمّا أُمّه فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي من السابقات إلى الاِسلام والاِيمان برسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقد كانت قبل ذلك تتّبع ملّة إبراهيم.

إنّها المرأة الطاهرة التي لجأت ـ عند المخاض ـ إلى المسـجد الحـرام، وألصقت نفسها بجدار الكعبة وأخذت تقول:

«يا ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم وإنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ الذي بنى هذا البيت و(بحقّ) المولود الذي في بطني إلاّ ما يسّرت عليّ ولادتي». فدخلت فاطمة بنت أسد الكعبة ووضعت عليّاً هناك(3).

تلك فضيلة نقلها قاطبة المؤرّخين والمحدّثين الشيعة، وكذا علماء الاَنساب في مصنّفاتهم، كما نقلها ثلّة كبيرة من علماء السنّة وصرّحوا بها في كتبهم، واعتبروها حادثة فريدة، وواقعة عظيمة لم يسبق لها مثيل(4).

وقال الحاكم النيسابورى: وقد تواترت الاَخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه في جوف الكعبة(5).

وقال شهاب الدين أبو الثناء السيد محمود الآلوسي: «وكون الاَمير كرّم الله وجهه، ولد في البيت، أمر مشهور في الدنيا ولم يشتهر وضع غيره كرّم الله وجهه، كما اشتهر وضعه»(6).

2 ـ الامام عليّ وتربيته في حجر النبيّ: _ صلى الله عليه وآله وسلم _

وأمّا التربية الروحية والفكرية والاَخلاقية فقد تلقّاها علي _ عليه السلام _ في حجر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهي الضلع الثاني من أضلاع شخصيته الثلاثة.

ولو أنّنا قسّمنا مجموعة سنوات عمر الاِمام _ عليه السلام _ إلى خمسة أقسام لوجدنا القسم الاَوّل من هذه الاَقسام الخمسة من حياته الشريفة، يؤلّف السنوات التي قضاها _ عليه السلام _ قبل بعثة النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

وانّ هذا القسم من حياته الشريفة لا يتجاوز عشر سنوات؛ لاَنّ اللّحظة التي ولد فيها عليّ _ عليه السلام _ لم يكن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد تجاوز الثلاثين من عمره المبارك، هذا مع العلم بأنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد بعث بالرسالة في سنّ الاَربعين.

وعلى هذا الاَساس لم يكن الاِمام عليّ _ عليه السلام _ قد تجاوز السنة العاشرة من عمره يوم بعث رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالرسالة، وتوّج بالنبوّة.

إنّ أبرز الحوادث في حياة الاِمام عليّ _ عليه السلام _ هو تكوين الشخصية العلوية، وتحقّق الضلع الثاني من المثلّث الذي أسلفناه بواسطة النبيّ الاَكرم، وفي ظلّ ما أعطاه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لعليّ _ عليه السلام _ من أخلاق وأفكار؛ لاَنّ هذا القسم في حياة كل إنسان وهذه الفترة من عمره هي من اللحظات الخطيرة، والقيّمة جدّاً،فشخصيّة الطفل في هذه الفترة تشبه صفحة بيضاء نقيّة تقبل كلّ لون، وهي مستعدّة لاَن ينطبع عليها كلّ صورة مهما كانت، وهذه الفترة من العمر تعتبر ـ بالتالي ـ خير فرصة لاَن ينمّي المربّون والمعلّمون فيها كلّما أودعت يد الخالق في كيان الطفل من سجايا طيّبة وصفات كريمة، وفضائل أخلاقية نبيلة، ويوقفوا الطفل ـ عن طريق التربية ـ على القيم الاَخلاقية والقواعد الاِنسانية وطريقة الحياة السعيدة، وتحقيقاً لهذا الهدف الساميّ تولّى النبي الكريم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بنفسه تربية عليّ _ عليه السلام _ بعد ولادته، وذلك عندما أتت فاطمة بنت أسد بوليدها عليّ _ عليه السلام _ إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلقيت من رسول الله حبّاً شديداً لعليّ حتّى أنّه قال لها: «اجعلي مهده بقرب فراشي» وكان _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يطهّر علياً في وقت غسله، ويوجره اللّبن عند شربه، ويحرّك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويلاحظه ويقول: «هذا أخي، ووليّي، وناصري، وصفيّي، وذخري، وكهفي، وصهري، ووصيّي، و زوج كريمتي، وأميني على وصيّتي، وخليفتي»(7).

ولقد كانت الغاية من هذه العناية هي أن يتمّ توفير الضلع الثاني في مثلّث الشخصية (وهو التربية) بواسطته _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأن لا يكون لاَحد غير النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ دخل في تكوين الشخصية العلوية الكريمة.

وقد ذكر الاِمام عليّ _ عليه السلام _ ما أسداه الرسول الكريم إليه وما قام به تجاهه في تلكم الفترة إذ قال:

«وقد علمتم موضعي من رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالقرابة القريبة، والمنزلة الخَصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمّني إلى صدره، ويَكنُفني في فراشه، ويمسُّني جسدَه، ويُشمّني عَرْفَه، وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه»(8).

النبي يأخذ عليّاً إلى بيته:

وإذ كان الله تعالى يريد لولي دينه أن ينشأ نشأة صالحة وأن يأخذ النبي عليّاً إلى بيته وأن يقع منذ نعومة أظفاره تحت تربية النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ألفت نظر نبيّه إلى ذلك.

قد ذكر المؤرّخون أنّه أصابت مكّة ـ ذات سنة ـ أزمة مهلكة وسنة مجدبة منهكة، وكان أبوطالب ـ رضي الله عنه ـ ذا مال يسير وعيال كثير فأصابه ما أصاب قريشاً من العدم والضائقة والجهد والفاقة، فعند ذلك دعا رسول الله عمّه العباس إلى أن يتكفّل كل واحد منهما واحداً من أبناء أبي طالب وكان العباس ذا مال وثروة وجدة فوافقه العباس على ذلك؛ أخذ النبي عليّاً، وأخذ العباس جعفراً وتكفّل أمره، وتولّى شؤونه(9).

هكذا وللمرّة الاَُخرى أصبح عليّ _ عليه السلام _ في حوزة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _بصورة كاملة، واستطاع بهذه المرافقة الكاملة أن يقتطف من ثمار أخلاقه العالية وسجاياه النبيلة، الشيء الكثير، وأن يصل تحت رعاية النبي وعنايته وبتوجيهه وقيادته،إلى أعلى ذروة من ذرى الكمال الروحي.

وهذا هو الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _ يشير إلى تلك الاَيام القيّمة وإلى تلك الرعاية النبويّة المباركة المستمرّة إذ يقول:

«ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به»(10).

عليّ في غار حراء

كان النبيّ ـ حتّى قبل أن يبعث بالرسالة والنبوّة ـ يعتكف ويتعبّد في غار حراء شهراً من كلّ سنة، فإذا انقضى الشهر وقضى جواره من حراء انحدر من الجبل، وتوجّه إلى المسجد الحرام رأساً وطاف بالبيت سبعاً، ثم عاد إلى منزله.وهنا يطرح سؤال: ماذا كان شأن عليّ _ عليه السلام _ في تلك الاَيام التي كان يتعبّد ويعتكف فيها رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في ذلك المكان مع ما عرفناه من حبّ الرسول الاَكرم له؟ هل كان يأخذ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عليّاً معه إلى ذلك المكان العجيب أم كان يتركه ويفارقه؟

إنّ القرائن الكثيرة تدلّ على أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ منذ أن أخذ علياً لم يفارقه يوماً أبداً؛ فهاهم المؤرّخون يقولون: كان عليّ يرافق النبيّ دائماً ولا يفارقه أبداً، حتّى أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا خرج إلى الصحراء أو الجبل أخذ عليّاً معه(11).

يقول ابن أبي الحديد: وقد ذكر عليّ _ عليه السلام _ هذا الاَمر في الخطبة القاصعة إذ قال:

«ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه ولايراه غيري»(12).

إنّ هذه العبارة وإن كانت محتملة في مرافقته للنبيّ في حرّاء بعد البعثة الشريفة إلاّ أنّ القرائن السابقة وكون مجاورة النبيّ بحراء كانت في الاَغلب قبل البعثة، تؤيّد أنّ هذه الجملة، يمكن أن تكون إشارة إلى صحبة عليّ للنبيّ في حراء قبل البعثة.

إنّ طهارة النفسيّة العلوية، ونقاوة الروح التي كان عليّ _ عليه السلام _ يتحلّى بها، والتربية المستمرّة التي كان يحظى بها في حجر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، كل ذلك كان سبباً في أن يتّصف عليّ _ عليه السلام _ ـ ومنذ نعومة أظفاره ـ ببصيرة نفّاذة وقلب مستنير، وأُذن سميعة واعية تمكّنه من أن يرى أشياءَ ويسمع أمواجاً تخفى على الناس العاديين،و يتعذّر عليهم سماعها ورؤيتها، كما يصرّح نفسه بذلك إذ يقول:

«أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة»(13).

يقول الاِمام الصادق _ عليه السلام _:

«كان عليّ _ عليه السلام _ يرى مع رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قبل الرسالة الضوء، ويسمع الصوت».

وقد قال له النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _: لولا أنّي خاتم الاَنبياء لكنتَ شريكاً في النبوّة، فإن لاتكن نبيّاً فإنّك وصيّ نبيّ ووارثه، بل أنت سيّد الاَوصياء وإمام الاَتقياء»(14).

ويقول الاِمام عليّ _ عليه السلام _: «لقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته، ثمّ قال له:

«إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ أنّك لست بنبيّ ولكنّك وزير»(15).

هذا هو الرافد الثاني الذي كان يرفد الشخصية العلوية بالاَخلاق والسجايا الرفيعة.

3 ـ البيئة الرسالية وشخصية الاِمام:

ولو أضفنا ذينك الاَمرين (أي ما اكتسبه من والديه الطاهرين بالوراثة، وما تلقّاه في حجر النبيّ) إلى ما أخذه من بيئة الرسالة والاِسلام من أفكار وآراء رفيعة، وتأثّر عنها أدركنا عظمة الشخصية العلوية من هذا الجانب.

ومن هنا يحظى الاِمام عليّ _ عليه السلام _ بمكانة مرموقة لدى الجميع؛ مسلمين وغير مسلمين؛ لما كان يتمتّع به من شخصية سامقة، وخصوصيات خاصّة يتميّز بها.

وهذا هو ما دفع بالبعيد والقريب إلى أن يصف عليّاً بما لم يوصف به أحد من البشر، ويخصّه بنعوت، حرم منها غيره، فهذا الدكتور شبلي شميل المتوفّى سنة 1335هـ|1917م وهو من كبار المادّيين في القرن الحاضر يقول:

الاِمام عليّ بن أبي طالب عظيم العظماء نسخة مفردة لم ير لها الشرق ولا الغرب صورة طبق الاَصل لا قديماً ولاحديثاً(16).

قال عمر بن الخطّاب:«عقمت النساء أن يلدن مثل عليّ بن أبي طالب»(17).

ويقول جورج جرداق الكاتب المسيحي اللبناني المعروف:

«وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كلّ زمن عليّاً بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره»(18).

هذه الاَبعاد التي ألمحنا إليها هي الاَبعاد الطبيعية للشخصية العلوية.

البعد المعنوي لشخصيّة الاِمام _ عليه السلام _:

غير أنّ أبعاد شخصية الاِمام عليّ _ عليه السلام _ لاتنحصر في هذه الاَبعاد الثلاثة؛ فإنّ لاَولياءالله سبحانه بعداً رابعاً، داخلاً في هويّة ذاتهم، وحقيقة شخصيتهم، وهذا البعد هوالذي ميّزهم عن سائر الشخصيات وأضفى عليهم بريقاً خاصّاً ولمعاناً عظيماً.

وهذا البعد هو البعد المعنوي الذي ميّز هذه الصفوة عن الناس، وجعلهم نخبة ممتازة وثلّة مختارة من بين الناس؛ وهو كونهم رسل الله وأنبياءه، أو خلفاءه وأوصياء أنبيائه.

نرى أنّه سبحانه يأمر رسوله أن يصف نفسه بقوله: «قُلْ سُبْحان َربِّي هَلْ كُنْتُ إلاّ بَشَراً رَسُولاً»(19).

فقوله: «بَشَراً» إشارة إلى الاَبعاد البشرية الموجودة في كلّ إنسان طبيعيّ، وإن كانوا يختلفون فيها فيما بينهم كمالاً ولمعاناً.

وقوله: «رَسُولاً» إشارة إلى ذلك البعد المعنوي الذي ميّزه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن الناس وجعله معلّماً وقدوة للبشر، فلاَجل ذلك يقف المرء في تحديد الشخصيات الاِلهية على شخصية مركّبة من بعدين: طبيعي و إلهي ولا يقدر على توصيفها إلاّ بنفس ما وصفهم به الله سبحانه مثل قوله في شأن الرسول الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاَُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالاِنْجِيلِ يَأمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيّباتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَ الاَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ )(20)وقد نزلت في حقّ الاِمام أميرالمؤمنين _ عليه السلام _ آيات، ووردت روايات.

كيف وقد قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _:«عنوان صحيفة المؤمن حبّ عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _»(21).

وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _:«من سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي فليوال عليّاً بعدي، وليوال وليّه، وليقتد بالاَئمّة من بعدي؛ فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي»(22).

وقال الاِمام أحمد بن حنبل:ما لاَحد من الصحابة من الفضائل بالاَسانيد الصحاح مثل ما لعليّ2(23).

وقال الاِمام الفخر الرازي:

من اتّخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه(24).

وقال أيضاً:من اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى لقول النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _: اللّهمّ أدر الحقّ مع عليّ حيث دار(25).

تسليط الضوء على شخصيته السامية:

لاعتب على اليراع لو وقف عند تحديد شخصيّة كريمة معنويّة خصّها الله تعالى بمواهب وفضائل، وكفى في ذلك ما رواه طارق بن شهاب، قال: كنت عند عبدالله ابن عباس فجاء أُناس من أبناء المهاجرين فقالوا له: يا بن عباس أيّ رجل كان عليّ بن أبي طالب؟

قال: ملىَ جوفه حكماً وعلماً وبأساً ونجدة وقرابة من رسول اللّه(26).

روى عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزل في القرآن: «يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» إلاّ وعليّ _ عليه السلام _ رأسها وأميرها، ولقد عاتب الله أصحاب محمّد في غير مكان، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير(27).

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في عليّ(28).

وقال ابن عباس: نزلت في عليّ أكثر من ثلاثمائة آية في مدحه(29).

نكتفي في ترجمة عليّ _ عليه السلام _ بكلمتين عن تلميذيه اللّذين كانا معه سرّاً وجهراً.

1 ـ قال ابن عباس ـ عندما سئل عن عليّ ـ: رحمة الله على أبي الحسن، كان والله علم الهدى، وكهف التقى، وطود النهى، ومحلّ الحجى، وغيث الندى، ومنتهى العلم للورى، ونوراً أسفر في الدجى،وداعياً إلى المحجّة العظمى، ومستمسكاً بالعروة الوثقى، أتقى من تقمّص وارتدى، وأكرم من شهد النجوى بعد محمد المصطفى، وصاحب القبلتين، وأبو السبطين، وزوجته خير النساء، فما يفوقه أحد، لم تر عيناي مثله، ولم أسمع بمثله، فعلى من أبغضه لعنة الله ولعنة العباد إلى يوم التناد(30).

2 ـ إنّ معاوية سأل ضرار بن حمزة بعد موت عليّ عنه، فقال: صف لي عليّاً، فقال: أو تعفيني؟ قال: صفه، قال: أو تعفيني؟ قال: لا أعفيك، قال: أمّا إذ لابدّ فأقول ما أعلمه منه:

والله كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته،كان والله غزير الدمعة،طويل الفكرة، يقلّب كفّيه، ويخاطب نفسه،يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب.

كان والله كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منّا لانكلّمه هيبة، ولانبتدئه عظمة، إن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين، ويحبّ المساكين،لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.

فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، وكأنّي أسمعه وهو يقول: يا دنيا أبي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّقت؟ هيهات هيهات غرّي غيري، قد باينتك ثلاثاً لارجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كثير، آه من قلّة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.

قال: فذرفت دموع معاوية على لحيته فما يملكها وهو ينشفها بكمّه وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال معاوية: رحم الله أباالحسن! كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها؛ فلا ترقأ عبرتها ولايسكن حزنها(31).

هذه شذرات من فضائله، وقبسات من مناقبه الكثيرة التي حفظها التاريخ من تلاعب الاَيدي.

غير أنّه لا يعرف عليّاً غير خالقه، وبعده صاحب الرسالة الكبرى ابن عمه المصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

 


(1) راجع مسند أحمد 1: 331 و5: 182 ـ 189، حلية الاَولياء 1: 62 ـ 68؛ الغدير 2: 33.

مكوّنات الشخصيّة الاِنسانية

(2) مجمع البيان 4: 37.

(3) كشف الغمّة 1: 60.
(4) مروج الذهب 2: 349، شرح الشفاء للقاضي عياض1: 151 وغيرهما، وقد أفرد العلاّمة الاُردوبادي رسالة في هذه المنقبة وسمّاها: عليّ وليد الكعبة.
(5) شرح عينية عبدالباقي العمري: 15.

(6) الغدير 6: 22.

(7) كشف الغمة 1: 60.
(8) نهج البلاغة، الخطبة (192) المسمّاة بالخطبة القاصعة.

(9) بحار الاَنوار 35: 44، وسيرة ابن هشام 1: 246.
(10) نهج البلاغة ـ شرح عبده ـ 2: 182.

(11) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 13: 208.
(12) نهج البلاغة: الخطبة القاصعة الرقم 187.
(13) المصدر نفسه.

(14) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 13: 310.
(15) نهج البلاغة: الخطبة القاصعة الرقم 187.
(16) الاِمام على صوت العدالة الاِنسانية 1: 37.

(17) الغدير 6: 38 ط النجف.
(18) الاِمام علي صوت العدالة الاِنسانية 1: 49.
(19) الاِسراء: 93.

(20) الاَعراف:57.
(21) أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه 4: 410.
(22) أخرجه الحافظ أبو نعيم في حلية الاَولياء 1: 86.
(23) مناقب أحمد لابن الجوزي الحنبلي: 163.
(24) تفسير مفاتيح الغيب 1: 205.

(25) المصدر نفسه: 204.
(26) شواهد التنزيل1: 108 ح 153.
(27) مسند أحمد1: 190، تاريخ الخلفاء: 171.
(28) الصواعق المحرقة، الباب التاسع، الفصل الثالث: 76.
(29) تاريخ الخلفاء: 172.

(30) ميزان الاعتدال 1: 484.

(31) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 18: 225 وغيره.

 



منابع: موقع سماحة المرجع الديني آية الله سبحاني
ارسال کننده: مدیر پورتال
 عضویت در کانال آموزش و فرهنگ اربعین

چاپ

برچسب ها الامام علی - الانسانية - المصطفى -مكونات

نظرات


ارسال نظر


Arbaeentitr

 فعالیت ها و برنامه ها

 احادیث

 ادعیه و زیارات