logo logo
  • تاریخ انتشار:‌ 1395/05/09 - 12:00 ق.ظ
  • چاپ
الخامس والعشرون من شوال ذكرى استشهاد الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام

الخامس والعشرون من شوال ذكرى استشهاد الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام

یوافق الخامس والعشرون من شوال الذكرى الألیمة لاستشهاد الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام رئیس المذهب، فبهذه المناسبة نقف على محطات من حیاته المباركة.

 یوافق الخامس والعشرون من شوال الذكرى الألیمة لاستشهاد الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام رئیس المذهب، فبهذه المناسبة نقف على محطات من حیاته المباركة.
إتقوا الله وكونوا مع الصادقین ... صدق الله العلی العظیم
كالشمس یكشفها الضیاء وإن غدت...خلف السحائب مرة تتـستر
واذا اردت تیمـــنا بــبیانـه...فهو الإمام أبو الأئمة جعفر
بعلومه تحیى القـلوب وذكــره...بأریجه لسن الثنا تـتعـطر
نسب كأن علیه من شمس الضحى...نوراً ومن فلق الصباح عموداً
ما فیه الا سـید مــن ســیـد...حاز المكارم والتقى والجـودا
اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد الصّادِقِ ، خازِنِ الْعِلْمِ ، الدّاعی اِلَیْكَ بِالْحَقِّ ، النُّورِ الْمُبینِ ، اَللّـهُمَّ وَ كَما جَعَلْتَهُ مَعْدِنَ كَلامِكَ وَ وَحْیِكَ وَ خازِنَ عِلْمِكَ وَ لِسانَ تَوْحیدِكَ ، وَ وَلِیَّ اَمْرِكَ وَ مُسْتَحْفِظَ دینِكَ ، فَصَلِّ عَلَیْهِ اَفْضَلَ ما صَلَّیْتَ عَلى اَحَد مِنْ اَصْفِیائِكَ وَ حُجَجِكَ اِنَّكَ حَمیدٌ مَجید2. .

جاء فی الروایات أنّ رسول الله (ص) قال لاهل بیته (ع) :
إنّا أهلُ بیت اختارَ اللهُ لنا الآخرة على الدنیا ، وإنّ أهلَ بیتی سَیَلْقَوْنَ بعدی بلاءً وتشریداً وتطریداً ، حتّى یأتیَ قومٌ مِن قِبَل المشرِقِ معهُم رایاتٌ سـود ، فیسألونَ الخیرَ فلا یُعْطَوْنَهُ ، فَیُقاتِلونَ فَیُنصَرونَ فَیُعْطَوْنَ ما سألوا فلا یَقْبَلُونَهُ ، حتّى یدفعوها إلى رَجُل مِن أهلِ بَیتی فیملأها قِسطاً كما ملأوها جوراً ، فمَن أدركَ ذلك منكم فَلْیَأتِهِم ولو حَبْواً على الثّلج ;
ففی الخامس والعشرون من شهر شوال سنة 148 هـ كانت شهادة الامام الصادق (علیه السلام) كما ان ولادته كانت فی السابع عشر3 من شهر ربیع الاول سنة 83 هـ على المشهور فی تاریخ ولادته وشهادته فیكون عمره الشریف یوم شهادته 65 سنة .
إنه الصادق علیه السلام، هكذا سماه جده النبی الأكرم (صلى الله علیه وآله وسلم )4.
هو جعفر بن محمد الباقر علیه السلام وأم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبی بكر الملقبة بالمكرمة، عاصر (علیه السلام) من ملوك بنی أمیة كما عاش أفول وانحطاط الدولة الأمویة الباغیة ولقی الظلم والمكر من السفاح وجعفر المنصور اللذین لم یسترحا حتى قضیا على الإمام (علیه السلام )بالسم فی الخامس والعشرین من شوال سنة 148 هجریة .
قال مالك بن أنس: ما رأت عین ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلا وعلما وعبادة وورعا .. ) 5.
وقال الیعقوبی فی تاریخه عنه (علیه السلام ) :ـ كان أفضل الناس وأعلمهم بدین الله وكان أهل العلم الذین سمعوا منه إذا رووا عنه قالوا: أخبرنا العالم. 6.
وقال الامام الصادق (علیه السلام ) :ـ حدیثی حدیث أبی وحدیث أبی حدیث جدی، وحدیث جدی حدیث الحسین، وحدیث الحسین حدیث الحسن، وحدیث الحسن حدیث أمیر المؤمنین، وحدیث أمیر المؤمنین حدیث رسول الله (ص)، وحدیث رسول الله (ص) قول الله تعالى .. 7.
وقال كذلك (علیه السلام ) فی كلمة ورسالة یقول فیها مخاطبا أصحابه والخطاب لكل مسلم فی التو عرف الإمام :ـ أحسنوا النظر فی ما لا یسعكم جهله، وانصحوا أنفسكم وجاهدوها فی طلب معرفة ما لا عذر لكم فی جهله، فإن لدین الله أركانا لا ینفع من جهلها شدة اجتهاده فی طلب ظاهر عبادته، ولا یضر من عرفها فدان بها حسن اقتصاده،ولا سبیل لحد إلى ذلك إلا بعون من الله عزوجل 8.
وقال الإمام الصادق (علیه الصلاة والسلام ) لأحد أصحابه حمران بن أعین: إنما یهلك الناس لأنهم لا یسألون 9..
ولد الامام الصّادق (علیه السلام ) فی عهد عبد الملك بن مروان بن الحكم ثمّ عایش الولید بن عبد الملك ، وسلیمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزیز،ویزید بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، والولید بن زید، ویزید بن الولید، وإبراهیم بن الولید، ومروان الحمار ، حتّى سقوط الحكم الاموی (سنة 132 هـ ) ، ثمّ آلت الخلافة إلى بنی العباس ، فعاصر من خلفائهم أبا العباس السفّاح ، وشطراً من خلافة أبی جعفر المنصور تقدّر بعشر سنوات تقریباً ، وعاصر الامام الصّادق (علیه السلام ) كل هذه الأدوار وشاهد بنفسه محنة آل البیت (ع) وآلام الاُمّة وآهاتها وشكواها وتململها.. وكان عمید آل البیت (ع) ومحطّ أنظار المسلمین.. لذا فقد كان تحت الرقابة الامویّة والعباسیّة وملاحقة جواسیس الحكّام ، یحصون علیه حركاته واتصالاته ،
فقد عاصر الإمام الصادق (علیه السّلام )الدولتین فی هذه المدة الطویلة; مع جده وأبیه اثنتی عشرة سنة، ومع أبیه بعد جده تسع عشرة سنة وبعد أبیه أیام إمامته أربعاً وثلاثین سنة، وكان فی أیام إمامته بقیة ملك هشام بن عبدالملك، وملك الولید بن یزید بن عبدالملك، وملك یزید بن الولید الناقص، وملك إبراهیم بن الولید وملك مروان بن محمد الحمار، ثم صارت المسوّدة ( لاتّخاذهم شعار السواد ) مع أبی مسلم سنة اثنتین وثلاثین ومئة فملك أبو العباس الملقب بالسفاح، ثم ملك أخوه أبو جعفر الملقب بالمنصور، واستشهد الصادق بعد عشر سنین من ملكه10...
ولقد تفاقم الأمر فی السنوات الأخیرة للحكم الأموی وبالتحدید بعد وفاة هشام بن عبدالملك واستیلاء الولید على الخلافة ثم مقتله، وما حدث من فتن واضطرابات واهتزاز لأركان الحكم الأموی وبالتحدید بعد موت هشام بن عبدالملك واستیلاء الولید على الخلافة واهتزاز أركان الحكم الأموی وحبل بنی مروان حتّى حُكْم آخر ملوكهم ; مروان الحمار ; وانتصار الحركة العباسیة علیهم فی خراسان والعراق 11. ه .
وفی خضم انتفاضات العلویین والزیدیین والقرامطة والزنج وسواهم من طالبی السلطة .. الى جانب ذلك ظهرت الزنادقة والملاحدة فی مكّة والمدینة، وانتشرت فرق الصوفیة فی البلاد، وتوزّع الناس بین أشاعرة ومعتزلة وقدریة وجبریة وخوارج...
ركّز الإمام (علیه السلام ) فی حركته على تمتین وتقویة الأصول والجذور الفكریة والعلمیة مع أخذ دوره الرسالی كمعصوم من ال بیت النبوّة.
وقد تسرّبت التفسیرات والتأویلات المنحرفة إلى علوم القران الكریم وطالت مباحث التوحید والصفات والنبوة وحقیقة الوحی والقضاء والقدر والجبر والاختیار.. ولم تسلم السنة النبویة بدورها من التحریف ووضع الأحادیث المكذوبة والمنسوبة إلى نبی الإسلام .. وكان الامام الصّادق (ع) منصرفاً عن الصراع السیاسی المكشوف إلى بناء المقاومة بناءً علمیّاً وفكریّاً وسلوكیّاً یحمل روح الثورة، ویتضمّن بذورها ، لتنمو بعیدة عن الانظار وتولد قویّة راسخة .
وبهذه الطریقـة راح یربِّی العلماء والدُّعاة وجماهیر الاُمّة على مقاطعة الحكّام الظّلمة ، ومقاومتهم عن طریق نشر الوعی العقائدی والسیاسی ، والتفقّه فی أحكام الشریعة ومفاهیمها ، ویثبِّت لهم المعالم والاُسس الشرعیة الواضحة ، كقوله (علیه السلام) :; مَن عَذَرَ ظالِماً ، بظلمهِ سَلّطَ اللهُ علیهِ مَن یظلِمُهُ ، فإنْ دعا لم یُستَجَبْ لهُ ولم یأجُرْهُ اللهُ على ظُلامَتِه;و العامِل بالظّلمِ والمُعینُ له والرّاضی به شُركاءُ ثلاثتهم) .فاستطاع أن یعطی الفكر الشیعی زخماً خوّله الصمود أمام التیارات الفكریة المختلفة وسمح له بالبقاء الى یومنا هذا، ولذلك یسمى المذهب الشیعی الفقهی بالمذهب الجعفری.
فعانى العلویون أشدّ المعاناة كما عانى غیرهم من ظلم بنی العباس وجورهم واستبدادهم ، حتّى أنّ خلیفتهم الاوّل (أبا العباس) سُمِّی بالسفّاح لكثرة ما أراق من الدماء ، فاشتدّت المحنة على الامام الصّادق (علیه السلام) وضیّق علیه .
ولذلك نجد أبا العباس السفاح یستدعی الامام الصّادق (علیه السلام) إلى الحیرة ، ویضیِّق علیه ، خوفاً من منافسته وشموخ زعامته ، ثمّ یَحُول الله بینه وبین الامام (علیه السلام) فیعود إلى المدینة ، لیمارس مهمّاته العلمیة والتوجیهیة هناك .
وحینما تولّى أبو جعفر المنصور الخلافةَ ازدادت مخاوِفُهُ مِن الامام الصّادق(علیه السلام)،واشتدّ حسدُهُ، لتفوّق شخصیة الامام(علیه السلام)،وعلوّ منزلته فی النفـوس،وذیوع اسمه فی الآفاق،وشموخ مكانته العلمیة،حتّى غطّت شخصیّته كل الشخصیات العلمیة والسیاسیة فی عصره ، لذلك عمد أبو جعفر المنصور إلى استدعاء الامام الصّادق (علیه السلام) وجلبه من المدینة إلى العراق مرّات ، لیحقِّق معه ویتأكّد من عدم قیادته لحركات سرّیة ضدّ الحكم العباسی ، لان أبا جعفر المنصور كان یعرف اتّجاه الاُمّة ومیلها للامام الصّادق (علیه السلام) ، ویعرف أهلیته وقوّة شخصیته ، بالاضافة إلى ذلك فهو یشاهد العلویین یتحرّكون لانهاء التسلّط العباسی ، وإعادة القیادة لآل البیت النبویّ .
وقد كتب أبو جعفر المنصور إلى الامام الصّادق (علیه السلام) كتاباً یطلب فیه قُربَ الصّادق، ومصاحبته ، وممّا جاء فی الكتاب ; لِمَ لا تغشانا كما یغشانا الناس ؟ فكتب إلیه الصّادق (علیه السلام) : ( لیس لنا ما نخافُكَ مِن أجلهِ ، ولا عندَكَ مِن أمرِ الآخرة ما نرجوكَ له ، ولا أنتَ فی نعمة فنهنِّئك ، ولا نراها نقمة فنعزِّیك ) . فكتبَ إلیه المنصور : تصحبُنا لِتنصَحَنا . فأجابه الصّادق (علیه السلام) : ( مَن أرادَ الدُّنیا لا ینصحُكَ ، ومَن أرادَ الآخرة لا یصحبُك ) وكان أبو جعفر المنصـور یزداد غیظاً على الامام الصّـادق (علیه السلام) ویخشى مركزه وموقفه ، إلى درجة أصبح المنصور معها حائراً عاجزاً عن تحدید موقف من الامام الصّادق (علیه السلام) حتّى قال فیه : هذا الشّجن المُعتَرِضُ فی حُلوقِ الخلفاءِ الّذی لا یجوزُ نفیُهُ ، ولا یحلُّ قتلُهُ ، ولولا ما تجمعنی وإیّاه من شجرة طاب أصلُها وبَسَقَ فرعُها وعذُبَ ثمرُها وبورِكَت فی الذرّیة ، وقُدِّست فی الزُّبر ، لكان منِّی ما لا یُحمدُ فی العواقبِ ، لِمَا بلغنی من شدّة عیبِهِ لنا ، وسوءِ القول فینا;

ومن مواقف الامام جعفر الصادق (علیه السلام) حكمة بسیطة واجه بها المنصور العباسی عندما تسلّط علیه الذباب بشكل متكرر فتضایق المنصور وسأل الصادق: لأی شیء خلق الله الذباب ؟ فكانت وبشكل غیر مباشر كلمة حق فی وجه سلطان جائرلیذلّ به الجبّارین 12..

وموقفه (علیه السلام ) من والی المنصور على المدینة شیبة بن غفال الذی مدح الحاكم العباسی وأهل بیته وشتم علیاً وأهل بیته علیهم السّلام من على منبر مسجد النبیّ (صلّى الله علیه وآله)، فكان مما قاله الصادق علیه السّلام: ; أمّا ما قلت من خیر فنحن أهله، وما قلت من سوء فأنت وصاحبك ( المنصور ) به أَولى، فاختبرْ یا من ركب غیر راحلته وأكل غیر زاده، ارجع مأزوراً13. وكما ذكرنا كان مما یُعلّم به الصادق (علیه السّلام )أصحابه رفض الارتباط بالسلطان الظالم بأی نوع من أنواع الارتباط، ولم یَرِد عن الصادق (علیه السّلام )حضوره عند حاكم إلا عندما كان یستدعیه هؤلاء بالقوة إلى قصورهم، كما فعل به السفّاح والمنصور حین استقدماه مرات عدیدة من المدینة إلى العراق. وكان مما یقول لأصحابه: إن أعوان الظَلَمة یوم القیامة فی سرادق من نار حتّى یحكم الله بین العباد14.. ولقد توعد الله تعالى الظالمین بقوله تعالى :ـ وَاللّهُ لاَ یُحِبُّ الظَّالِمِینَ..و إِنَّ اللّهَ لاَ یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ ..و إِنَّهُ لاَ یُفْلِحُ الظَّالِمُونَ..و وَسَیَعْلَمُ الَّذِینَ ظَلَمُوا أَیَّ مُنقَلَبٍ یَنقَلِبُونَ..
ومن انتصارات عهد الإمام الصادق (علیه السلام ) .فی نهایة القرن الأول للهجرة أصبح إحیاء عاشوراء أمراً مألوفاً عند أتباع أهل البیت؛ ولذلك نجد الإمام الصادق (علیه السلام ) یسأل فضیل بن یسار: یا فضیل أتجلسون وتحدثون؟;قال: نعم، قال(علیه السلام ): إن تلك المجالس أحبها فأحیوا أمرنا، رحم الله من أحیا أمرنا;..

استشهاده (علیه السلام ) :ـ

روى الفضل بن الربیع عن أبیه ، فقال : دعانی المنصور ، فقال : إن جعفر بن محمد یلحد فی سلطانی ، قتلنی الله إن لم أقتله . فأتیته ، فقلت : أجب أمیر المؤمنین . فتطهّر ولبس ثیاباً جدداً . فأقبلت به ، فاستأذنت له فقال : أدخله ، قتلنی الله إن لم أقتله . فلما نظر إلیه مقبلا ، قام من مجلسه فتلقّاه وقال : مرحباً بالتقیّ الساحة البریء من الدغل والخیانة ، أخی وابن عمی . فأقعده على سریره ، وأقبل علیه بوجهه ، وسأله عن حاله ، ثم قال :
سلنی حاجتك ، فقال (علیه السلام): أهل مكّة والمدینة قد تأخّر عطاؤهم، فتأمر لهم به .
قال : أفعل ، ثم قال : یا جاریة ! ائتنی بالتحفة فأتته بمدهن زجاج، فیه غالیة ، فغلّفه بیده وانصرف فأتبعته ، فقلت:
یابن رسول الله ! أتیت بك ولا أشك أنه قاتلك ، فكان منه ما رأیت، وقد رأیتك تحرك شفتیك بشیء عند الدخول ، فما هو ؟
قال : قلت ;اللّهم احرسنی بعینك التی لاتنام ، واكنفنی بركنك الذی لا یرام ، واحفظنی بقدرتك علیّ ، ولا تهلكنی وانت رجائی .
ولم یكن هذا الاستدعاء للإمام من قبل المنصور هو الاستدعاء الأول من نوعه بل إنّه قد أرسل علیه عدّة مرات وفی كل منها أراد قتله . لقد صور لنا الإمام الصادق (علیه السلام) عمق المأساة التی كان یعانیها فی هذا الظرف بالذات والاذى الّذی كان المنصور یصبه علیه، حتى قال (علیه السلام) ـ كما ینقله لنا عنبسة ـ قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) یقول: أشكو إلى الله وحدتی وتقلقلی من أهل المدینة حتى تقدموا وأراكم أسرّ بكم، فلیت هذا الطاغیة أذن لی فاتّخذت قصراً فی الطائف فسكنته ، وأسكنتكم معی ، وأضمن له أن لا یجیء من ناحیتنا مكروه أبداً. وتتابعت المحن على سلیل النبوّة وعملاق الفكر الإسلامی ـ الإمام الصادق(علیه السلام) ـ فی عهد المنصور الدوانیقی ـ فقد رأى ما قاساه العلویون وشیعتهم من ضروب المحن والبلاء، وما كابده هو بالذات من صنوف الإرهاق والتنكیل، فقد كان الطاغیة یستدعیه بین فترة وأخرى ، ویقابله بالشتم والتهدید ولم یحترم مركزه العلمی، وشیخوخته، وانصرافه عن الدنیا الى العبادة، وإشاعة العلم، ولم یحفل الطاغیه بذلك كلّه، فقد كان الإمام شبحاً مخیفاً له... ونعرض ـ بإیجاز ـ للشؤون الأخیرة من حیاة الإمام ووفاته. وأعلن الإمام الصادق (علیه السلام) للناس بدنوّ الأجل المحتوم منه، وان لقاءه بربّه لقریب، وإلیك بعض ما أخبر به:
    أ قال شهاب بن عبد ربّه : قال لی أبو عبدالله (علیه السلام): كیف بك إذا نعانی إلیك محمد بن سلیمان؟ قال: فلا والله ما عرفت محمد بن سلیمان من هو. فكنت یوماً بالبصرة عند محمد بن سلیمان، وهو والی البصرة إذ ألقى إلیّ كتاباً، وقال لی: یا شهاب، عظّم الله أجرك وأجرنا فی إمامك جعفر بن محمد. قال: فذكرت الكلام فخنقتنی العبرة.
    ب ـ أخبر الإمام (علیه السلام) المنصور بدنوّ أجله لمّا أراد الطاغیة أن یقتله فقد قال له: ارفق فوالله لقلّ ما أصحبك. ثم انصرف عنه، فقال المنصور لعیسى بن علی: قم اسأله، أبی أم به؟ ـ وكان یعنی الوفاة ـ . فلحقه عیسى ، وأخبره بمقالة المنصور، فقال (علیه السلام): لا بل بی. وتحقّق ما تنبّأ به الإمام(علیه السلام) فلم تمضِ فترة یسیرة من الزمن حتى وافته المنیة.
    كان الإمام الصادق (علیه السلام) شجی یعترض فی حلق الطاغیة الدوانیقی، فقد ضاق ذرعاً منه، وقد حكى ذلك لصدیقه وصاحب سرّه محمد بن عبدالله الاسكندری.
    یقول محمد: دخلت على المنصور فرأیته مغتمّاً، فقلت له: ما هذه الفكرة؟
    فقال: یا محمد لقد هلك من أولاد فاطمة (علیها السلام) مقدار مائة ویزیدون ـوهؤلاء كلهم كانوا قد قتلهم المنصور ـ وبقی سیّدهم وإمامهم.
    فقلت: من ذلك؟
    فقال: جعفر بن محمد الصادق.
    وحاول محمد أن یصرفه عنه، فقال له: إنه رجل أنحلته العبادة، واشتغل بالله عن طلب الملاك والخلافة. ولم یرتض المنصور مقالته فردّ علیه: یا محمد قد علمتُ أنك تقول به، وبإمامته ولكن الملك عقیم.

وأخذ الطاغیة یضیّق على الإمام، وأحاط داره بالعیون وهم یسجّلون كل بادرة تصدر من الإمام، ویرفعونها له، وقد حكى الإمام (علیه السلام) ما كان یعانیه من الضیق، حتى قال: عزّت السلامة، حتى لقد خفی مطلبها، فإن تكن فی شیء فیوشك أن تكون فی الخمول، فإن طلبت فی الخمول فلم توجد فیوشك أن تكون فی الصمت، والسعید من وجد فی نفسه خلوة یشتغل بها. لقد صمّم على اغتیاله غیر حافل بالعار والنار، فدسّ الیه سمّاً فاتكاً على ید عامله فسقاه به، ولمّا تناوله الإمام(علیه السلام) تقطّعت أمعاؤه وأخذ یعانی الآلام القاسیة، وأیقن بأن النهایة الأخیرة من حیاته قد دنت منه. ولمّا شعر الإمام(علیه السلام) بدنوّ الأجل المحتوم منه أوصى بعدّة وصایا كان من بینها ما یلی: أ ـ إنه أوصى للحسن بن علی المعروف بالأفطس بسبعین دیناراً، فقال له شخص: أتعطی رجلاً حمل علیك بالشفرة؟ فقال (علیه السلام) له: ویحك ما تقرأ القرآن؟! (والذین یصلون ما أمر الله به أن یوصل، ویخشون ربهم ویخافون سوء الحساب). لقد أخلص الإمام (علیه السلام) كأعظم ما یكون الإخلاص للدین العظیم، وآمن بجمیع قیمه وأهدافه، وابتعد عن العواطف والأهواء، فقد أوصى بالبرّ لهذا الرجل الذی رام قتله لأن فی الإحسان الیه صلة للرحم التی أوصى الله بها.
ب ـ إنه أوصى بوصایاه الخاصّة، وعهد بأمره أمام الناس الى خمسة أشخاص: وهم المنصور الدوانیقی، ومحمد بن سلیمان، وعبدالله، وولده الإمام موسى، وحمیدة زوجته.
وإنما أوصى بذلك خوفاً على ولده الإمام الكاظم (علیه السلام) من السلطة الجائرة، وقد تبیّن ذلك بوضوح بعد وفاته، فقد كتب المنصور الى عامله على یثرب، بقتل وصی الإمام ، فكتب إلیه: إنه أوصى الى خمسة، وهو أحدهم ، فأجابه المنصور: لیس الى قتل هؤلاء من سبیل.
ج ـ إنه أوصى بجمیع وصایاه الى ولده الإمام الكاظم (علیه السلام) وأوصاه بتجهیزه وغسله وتكفینه، والصلاة علیه، كما نصبه إماماً من بعده، ووجّه خواصّ شیعته إلیه وأمرهم بلزوم طاعته.
د ـ إنه دعا السیّدة حمیدة زوجته، وأمرها باحضار جماعة من جیرانه، وموالیه، فلمّا حضروا عنده قال لهم: إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة. وأخذ الموت یدنو سریعاً من سلیل النبوة، ورائد النهضة الفكریة فی الإسلام، وفی اللحظات الأخیرة من حیاته أخذ یوصی أهل بیته بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات، ویحذّرهم من مخالفة أوامر الله وأحكامه، كما أخذ یقرأ سوراً وآیات من القرآن الكریم، ثم ألقى النظرة الأخیرة على ولده الإمام موسى الكاظم (علیه السلام) ، وفاضت روحه الزكیة الى بارئها. لقد كان استشهاد الإمام من الأحداث الخطیرة التی مُنی بها العالم الاسلامی فی ذلك العصر، فقد اهتزّت لهوله جمیع ارجائه، وارتفعت الصیحة من بیوت الهاشمیین وغیرهم وهرعت الناس نحو دار الإمام وهم ما بین واجم ونائح على فقد الراحل العظیم الذی كان ملاذاً ومفزعاً لجمیع المسلمین. وقام الإمام موسى الكاظم (علیه السلام)، وهو مكلوم القلب، فأخذ فی تجهیز جثمان أبیه، فغسل الجسد الطاهر، وكفّنه بثوبین شطویین كان یحرم فیهما، وفی قمیص وعمامة كانت لجدّه الإمام زین العابدین(علیه السلام)، ولفّه ببرد اشتراه الإمام موسى (علیه السلام) بأربعین دیناراً وبعد الفراغ من تجهیزه صلّى علیه الإمام موسى الكاظم (علیه السلام) وقد إأتمَّ به مئات المسلمین. وحمل الجثمان المقدّس على أطراف الأنامل تحت هالة من التكبیر، وقد غرق الناس بالبكاء وهم یذكرون فضل الإمام وعائدته على هذه الاُمة بما بثّه من الطاقات العلمیة التی شملت جمیع أنواع العلم. وجیء بالجثمان العظیم الى البقیع المقدّس، فدفن فی مقرّه الأخیر بجوار جدّه الإمام زین العابدین وأبیه الإمام محمد الباقر (علیهما السلام) وقد واروا معه العلم والحلم، وكل ما یسمّو به هذا الكائن الحیّ من بنی الإنسان. 15.

ـــــــــــــــــــــــــ
1. التوبة |119 .

2. بحار الأنوار ( الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ( علیهم السلام ) ) : 91 / 76 ، للعلامة الشیخ محمد باقر المجلسی

3. وهو یوم میلاد جده الرسول الاعظم صلى الله علیه وآله وسلم ( راجع بحثنا مولد مؤسس الثقافة الاصلیة الامام الصادق (ع))..

4. دور الأئمة فی الحیاة الإسلامیة،السید الشهید محمد باقر الصدر(قدس سره)،ص433 .

5. مناقب ابن شهر آشوب، ج3، ص372.

6. تاریخ الیعقوبی ج3، ص119.

7. بحار الأنوار:ج2، ص178 .

8. الإرشاد للشیخ المفید،ص205 .

9. بحار الأنوار ج1 ص198.

10. تاریخ الامم والملوك محمد بن جریر ج 7 ص 23_24 .

11. تاریخ الطبری رواه الحاكم الاموی بدا من احداث 126.

12. البحار ص 116 .

13. المصدر نفسه .ص 9.

14. الكافی للكلینی ج5ص 106ـ107 . 15. نقلا عما ورد فی كتاب اعلام الهدایة: الامام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام).


 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

مطالب مشابه